تَطهرُ النَّجاسةُ بشمسٍ أو ريحٍ أو دَلْكٍ إذا زالتْ عينُهَا

اختلفَ أهلُ العلم في المتنجِّس، هل يطهرُ بشمسٍ، أو ريحٍ، أو دَلْكٍ ؟   قولان لأهل العلم :
أحدهما: أنَّ المتنجِّس -حتى ولو كانت الأرض
[1] فضلاً عن غير الأرض-: لا يطهرُ بشمسٍ، ولا ريحٍ، ولا دلكٍ .[2]
وقيل: بل يطهرُ إذا مضى على المكان وقتٌ، والشَّمس تسطعُ عليه، والرّيحُ تهبُّ عليه: فإنّه يطهرُ [3]، وهذا يرجع إلى غلبة الظَّنِّ.
وهذا أكثر ما يتأتى: في النَّجاسة التي ليس لها عيْنٌ، وليس لها جرمٌ، كالبول، أمَّا التي لها جرمٌ واضحة: فقد تزولُ هي الأخرى بحيث لا تُشاهد، فتنقلها الرّيح، كالمكان الرّخو الرَّملي إذا هبَّت عليه الرّيحُ وكان الهبوبُ قويًا: طهّر المكان وذهبت الذرَّات التي تنجَّست وتبددت.
فالرّيحُ تنقل النَّجاسة، أمّا مجرّد أن المكان يبسَ، أو الثوب أصابته نجاسةٌ ويبسَ: لا يكفي في الطَّهارة.
وأمَّا الدَّلكُ: فقد دلَّتِ السُّنَّة الصَّحيحة على أنَّ الخُفَّ الذي أصاب أسفله النَّجاسة: يطهرُ بالدّلك بالتّراب، كما جاء في الحديث الصَّحيح:
(إذا وطِئَ أحدُكم بنعلِه الأذَى؛ فإنَّ التَّرابَ له طهورٌ)[4]، وفي الحديث الآخر: (إذا أتى أحدُكُمُ المسجِدَ، فلينظُرْ في نَعليهِ، فإن كانَ فيهِما أذًى أو قذرٌ، فليَمسَحهُما، ثمَّ ليصلِّ فيهَما) [5]
والكلامُ في طهارة النَّعليْن والخفَّيْن بالدَّلك: يشبهُ طهارة موضع الاستجمار، فيُعفى عن أثر النَّجاسة في أسفل الخفّ، كما يُعفى عن أثر الاستجمار في موضعه . [6]


[1] "الروض المربع" 1/398 قال في "الإنصاف" 1/318: "وقيل: تطهر، ونص عليه الإمام أحمد في حبل الغسيل، واختار هذا القول: الشيخ تقي الدين، وصاحب الفائق"
[2] وهذا هو المذهب. ينظر: "الإنصاف" 1/317 و"المنتهى" 1/112 و"الإقناع" 1/92
[3] وهو اختيار المجد، وشيخ الإسلام ابن تيمية، وصاحب الفائق، وابن القيم. ينظر: "الإنصاف" 1/317 و"الاختيارات" ص41 و"إغاثة اللهفان" 1/155 و"المختارات الجلية" 8/213
[4] يرويه الأوزاعي واختلف عنه:
فرواه أبو المغيرة، والوليد بن مزيد، وعمر بن عبد الواحد، ثلاثتهم عن الأوزاعي قال: أُنبئت أن سعيد بن أبي سعيد المقبري حدث، عن أبيه، عن أبي هريرة، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: فذكره. أخرجه أبو داوود 385 ومن طريقه البغوي 300  والحاكم 591 وعنه البيهقي 4246 وابن حبان 1403 لكنه قال: عن الوليد، عن الأوزاعي، عن سعيد بن أبي سعيد، به.
ورواه محمد بن كثير الصنعاني، عن الأوزاعي، عن ابن عجلان، عن سعيد بن أبي سعيد، به. أخرجه أبو داوود 386 وابن خزيمة 292 والحاكم 590 وابن حيان 1404 والبيهقي 4247 فانفرد محمد بن كثير بتسمية شيخ الأوزاعي!
قال الحاكم: " حديث صحيح على شرط مسلم! محمد بن كثير الصنعاني هذا صدوق، وقد حفظ في إسناده ذكر ابن عجلان، ولم يخرجاه"
قلت: لم يخرج مسلم لمحمد بن كثير أصلًا، ولم يحتج بابن عجلان وإنما روى له متابعة، ومحمد بن كثير ضعيف كثير الخطأ والمناكير! ضعفه أحمد جدًا وقال: "منكر الحديث"ومثله لا يحتج به لاسيما عند المخالفة، ومحمد بن عجلان فيه مقال لم يحتجا به.
والحاصل أن الحديث ضعيف ولا تقوم به حجة. وضعفه ابن القطان في "الوهم والإيهام" 5/126 وقال الحافظ في "التلخيص" 1/660: " وهو معلول اختلف فيه على الأوزاعي وسنده ضعيف"
وله شاهد من حديث عائشة، وأبي سعيد.  ينظر: "نصب الراية" 1/207 "البدر المنير" 4/127 "التلخيص الحبير" 1/660، رقم 435 "صحيح أبي داوود" 2/238، رقم 411-413
[5] أخرجه أحمد 11153 وابن خزيمة 1017 والحاكم 955 وابن حبان 2185 والبيهقي 4087 وغيرهم من طرق، عن حماد بن سلمة، عن أبي نعامة السعدي، عن أبي نضرة، عن أبي سعيد الخدري، به.
قال الحاكم: " حديث صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه" ووافقه الذهبي، وهو كما قالا.
[6] شرح "زاد المستقنع" درس رقم /19/