دمُ ما هو طاهرٌ وما يُؤكلُ لحمُهُ: ليسَ بنجسٍ

دمُ ما هو طاهرٌ: كالآدمي، وما يؤكلُ لحمه: نجسٌ عند جمهور أهل العلم، وحُكي الإجماع على نجاسته. [1]
ولم يذكروا دليلًا إلّا ما جاء في دم الحيض، فقد صحَّ مِن حديث أسماء بنت أبي بكر -رضي الله عنها- أنَّها سألت النَّبيَّ -صلَّى الله عليه وسلَّم- عن دم الحيض يصيب الثّوب قال: (تَحُتُّه، ثمَّ تَقْرُصُه بالماءِ، ثمَّ تنضحُه، ثمَّ تصلّي فيهِ)[2] وقال لفاطمة بنت أبي حبيش: (فإذا أقبَلتْ حَيْضَتُكِ فَدَعِي الصَّلاةَ، وإذا أدْبَرَتْ فاغسلي عنْكِ الدَّمَ، ثمّ صلّي) [3]
وهذا -في الحقيقة- خاصّ، فلا ريبَ أن دم الحيض نجسٌ بالاتفاق، وقد دلَّ عليه النَّص، وفي حكمه: دمُ النّفاس، ودمُ الاستحاضة؛ لأنَّ الكلّ خارج مِن الفرج.
أمّا الدّماء التي تكون مِن الجراحات: فليس هناك دليل واضح على النَّجاسة.
إذًا: فليس هناك عمدة إلا القياس على دم الحيض والنّفاس، وهذا لا يتّأتى، فدمُ الحيض له طبيعة، وهذا له طبيعة.
ومِن أقوى ما يُستدلّ به على طهارة الدَّم: أنَّ النَّبيّ -صلَّى الله عليه وسلَّم- لم يصح عنه أنَّه كان يأمر المجاهدين بغسل ثيابهم، وغسل جراحاتهم، مع أنَّ هذا مما يقع لهم كثيرًا، فلم يُنقَل عنه -عليه الصَّلاة والسَّلام- الأمر بغسل ما يصيبه من هذه الدّماء !
بل أمر بأن يُدفن الشّهداءُ بثيابهم ودمائهم، ولا يُغسَّلوا، ولا يُصلَّى عليهم؛ ولهذا فصَّل مَن فصَّل وقال: إنَّ دم الشَّهيد مادام عليه فهو طاهر 
[4]؛ لأنَّ النَّبيَّ -صلَّى الله عليه وسلَّم- لم يأمر بغسله.
ونقول أيضًا: لم يأمر سائرَ النَّاس بغسل جراحاتهم، وغسل ثيابهم، ما أصابها مِن الدَّم.
والمتدبّر لسيرة الرَّسول -صلَّى الله عليه وسلَم- وسيرة أصحابه في الجهاد: يكاد يقطعُ بأنَّ الدَّم ليس بنجس.
فنخلصُ أنّ القول بطهارة الدَّم: متوجّه وقوي، ومع ذلك نظرًا إلى ما ذهبَ إليه جمهور أهل العلم: نرى أنَّه ينبغي التَّنزّه مِن الدَّم، والاحتياط بغسله، لكن لا نقطع بأنَّه نجس. 
[5]
 
[1] ينظر: "المجموع" للنووي 2 / 576 "التمهيد" لابن عبد البر 22/230 "مراتب الإجماع" بن حزم ص19
[2] أخرجه البخاري 227 ومسلم 291 من حديث أسماء بنت أبي بكر.
[3] أخرجه البخاري 328 ومسلم 333 من حديث أم المؤمنين عائشة.
[4] ينظر: "الروض المربع" 1/411 "شرح المنتهى" 1/214 و"كشاف القناع" 1/450
[5] شرح "زاد المستقنع" درس رقم /20/