يُعفى عن يسير النَّجاسة مُطلقًا إلّا البول والغائط: فيُتنزّه منه

يُعفى عن يسير النَّجاسة مطلقًا [1]، مما يتعرَّض له الإنسان، إلاّ البول خاصّة وما هو أغلظ منه كالغائط، فيجبُ التنزُّه عنه؛ لحديث: (اِسْتَنْزِهُوا مِنْ اَلْبَوْلِ، فَإِنَّ عَامَّةَ عَذَابِ اَلْقَبْرِ مِنْهُ) [2]
أمَّا ما لا يمكن التَّنزّه عنه: كأثر النَّجاسة الحاصل بالاستجمار -لأنَّ الاستجمار لا يزيلُ أثر النَّجاسة مِن المحلّ، إنَّما يُزيل عينَهَا- فيُعفى عنه، للحرج في الاحتراز، وقد ثبتَ بالسُّنَّة المستفيضة الاجتزاء بالأحجار [3]، وأنَّه لا يجبُ الاستنجاء بالماء، لكن إذا حصل الجمع بينهما: كان ذلك أكمل.
وفي المذهب: لا يطهرُ الموضع بالاستجمار، لكنّها نجاسةٌ معفوّ عنها . 
[4]
وقال بعضُ أهل العلم: بل المحلُّ طاهرٌ [5]، وهذا المحلّ لا حكم له، واستدلّوا بالحديث الذي فيه أنَّ النَّبيَّ -صلَّى الله عليه وسلَّم- نهى عن الاستنجاء بالعظم والرّوث، وقال: (إنَّهما لا يطِّهران)[6]، فعُلِمَ أنَّ الاستجمار بالأحجار ونحوها: يُطهِّر.
ثم قالوا: يُعفى عنه بمحلّه، وذلك بعد الإنقاء، واستيفاء العدد
[7]، ومعنى هذا: أنّه لو سالَ هذا الأثر بِعَرَقٍ على ثوب الإنسان: وجبَ عليه غسله، وهذا حرجٌ آخر !
ومعلومٌ قطعًا أنَّ الصَّحابة اكتفوا بالأحجار، وهم لابدَّ لهم أن يعرقوا، ولم يأمر النَّبيُّ -صلَّى الله عليه وسلَّم- بالاحتراز عن ذلك.
فالصَّواب: أنَّ أثر الاستجمار يُعفَى عنه، وأنَّ المحلَّ طاهرٌ، ولو قُدِّر أن يعرق الإنسان ويسيل هذا الأثر على الثوب، فلا حكم له. 
[8]


[1] وهو قول في مذهب الإمام أحمد، واختاره شيخ الإسلام وجماعة من الأصحاب. ينظر: "المغني" 2/480 و"الاختيارات" ص43 و"الإنصاف" 1/325 والمذهب:  يُعفى – في غير مائع ومطعوم -  عن يسير دمٍ نجس، من حيوانٍ طاهر، وعن أثر استجمار. ينظر: "المنتهى" 1/114 و"الإقناع" 1/94
[2] أخرجه الدارقطني 464 من طريق محمد بن الصباح السمان، عن أزهر بن سعد السمان، عن ابن عون، عن محمد بن سيرين، عن أبي هريرة مرفوعًا. وهذا إسناد ضعيف، محمد بن الصباح السمان، قال الذهبي في "الميزان" 3/583، رقم 7692: "لا يُعرف وخبره منكر". وقال الدارقطني: "الصواب مرسل". 
وله طريق آخر: أخرجه أحمد 9033 وابن ماجه 348 والدارقطني 465 والحاكم 653 والبيهقي في "السنن" 4141 وفي "إثبات عذاب القبر" 120 كلهم من طريق أبي عوانة، عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " أكثر عذاب القبر من البول "
قال الترمذي في "العلل الكبير" رقم 37: سألت البخاري عن هذا الحديث فقال: "حديث صحيح"
وقال الدارقطني: "صحيح"
وقال الحاكم: "هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولا أعرف له علة ولم يخرجاه" ووافقه الذهبي.
وأعلَّه أبو حاتم بالوقف وقال: "هذا حديث باطل؛ يعني: مرفوع" كما في "العلل" لابنه 3/558، رقم 1081 وذكر الدارقطني في "علله" 8/208، رقم 1518: رواية أبي عوانة هذه، ثم قال: "وخالفه ابن فضيل فوقفه، ويشبه أن يكون الموقوف أصح"
وله شاهد من حديث أنس، وابن عباس. ينظر: "نصب الراية" 1/128 "البدر المنير" 2/323 "التلخيص الحبير" 1/311، رقم 136 "إرواء الغليل" 1/310، رقم 280
[3] كما في حديث سلمان، وابن مسعود، وجابر، وأبي هريرة،  وعائشة، وخزيمة بن ثابت .. وكلها مخرَّجة في الصحاح، والسنن. ينظر: "المنتقى" لابن تيمية الجد ص55-57
[4] ينظر: "الإنصاف" 1/329 و"كشاف القناع" 1/452
[5] ينظر: "المغني" 2/486 و"الإنصاف" 1/329 و"المختارات الجلية" 8/214 و"الشرح الممتع" 1/445
[6] أخرجه ابن عدي في "الكامل" 4/356 والدارقطني 152 من طريق يعقوب بن حميد بن كاسب، ثنا سلمة بن رجاء، عن الحسن بن فرات القزاز، عن أبيه، عن أبي حازم الأشجعي، عن أبي هريرة، به.
قال الدارقطني:  "إسناده صحيح"
وقال ابن عدي: "ولا أعلم رواه عن فرات القزاز غير ابنه الحسن، وعن الحسن سلمة بن رجاء، وعن سلمة ابن كاسب" ثم قال: "ولسلمة بن رجاء غير ما ذكرت من الحديث. وأحاديثه أفراد وغرائب ويحدث عن قوم بأحاديث، لا يتابع عليه"
قلت: هو مختلف فيه: وثقه ابن حبان، وضعفه النسائي وغيره، وابن كاسب مختلف فيه كذلك، والباقون ثقات.
[7] "الروض المربع" 1/411
[8] شرح "زاد المستقنع" درس رقم /20/