الخارجُ النَّجسُ مِن غير السَّبيلين: لا يُنقِضُ الوضوءَ

الخارجُ مِن غير السَّبيلين -غير البول والغائط-: كالدَّم، أو القيء، أو الصَّديد: هذا فيه خلافٌ كثيرٌ [1]:
وأكثرُ العلماء على أنَّه ينقض. 
[2]
وقال آخرون: بل إنّه لا ينقضُ، ولو كان كثيرًا. [3]
والذين قالوا بأنَّه ينقضُ: استدلّوا بحديث عن عائشة -رضي الله عنها- أخرجه ابن ماجه، وذكر الحافظ ابن حجر أن إسناده ضعيف[4]: (مَن أصابَهُ قيءٌ، أو رُعافٌ -هذا دم- أو قَلَسٌ -وهو قيءٌ يسيرٌ بقدر النصف- أو مَذيٌ: فلينصرفْ، فليتوضّأ، ثم ليبنِ على صلاته، وهو في ذلك لا يتكلّم) [5]
 يعني: مَن أصابه شيء مِن ذلك -وهو يصلّي- فلينصرف، وليتوضَّأ، وهو في ذلك لا يتكلَّم، ولِيَبْنِ على ما صلّى، أو ليَبْنِ على صلاته.
لكن الحديث ضعيفٌ، فلا يصلحُ للاستدلال به على هذه المسألة، ولاسيما أنَّه: ينصرف، ويذهب، ويتوضَّأ.
أيضًا: هذا أمرٌ يتنافى مع فرض استقبال القبلة، كيف يحدث ! ثم يبني على ما صلّى ! ؟
ويعارضه أحاديث أخرى: ففيها أنَّ النَّبيَّ -صلَّى الله عليه وسلَّم- احتجم، وصلَّى، ولم يتوضَّأ. 
[6]
فالصَّواب: أنَّ الخارج النَّجس مِن البدن: لا ينقضُ الوضوء، هذا هو الصَّحيح؛ لأنَّه لم يصح في ذلك ما يوجبُ النَّقض.
واستدلَّ القائلون بعدم النَّقض: بما حصل لعمر -رضي الله عنه- لمَّا طُعِنَ، وهو في الصَّلاة، فأتمَّ صلاته مأمومًا. 
[7]
وبقصة أحد الصَّحابة، كان يحرس في بعض الغزوات، فَضُرِبَ بسهم، فصار الدَّم ينزف منه، فمضى في صلاته [8]، وذلك في حياة النَّبيّ -صلَّى الله عليه وسلَّم- ولم يأمره باستئناف صلاته، أو بالوضوء. !
بل وكان المسلمون تصيبهم الجراحات الكثيرة، ولم يثبت أنَّه -صلَّى الله عليه وسلَّم- كان يأمر مَن جُرِحَ: بأن يتوضَّأ !
فالصَّواب: أنَّ خروج الدَّم لا ينقضُ الوضوءَ، فالرّعاف إذًا لا ينقضُ، لكن إذا عرض له مثل ذلك في الصَّلاة: فلينصرف مِن أجل نجاسة الدَّم - ونجاسة الدَّم حكى فيها غيرُ واحد: الإجماع 
[9] فإن استطاع -مثلاً- أن يتلقَّاه بمناديل، ويتخلَّص منه: فذاك، وإذا لم يستطع: لينصرف، مِن أجل العارض، لا لأنَّه انتقض وضوؤه.
والخلاصة: أنَّ الخارج مِن البدن:
منه: ما ينقض بالإجماع؛ كالبول والغائط.
ومنه: ما لا ينقض بالإجماع؛ كالعرق.
ومنه: ما هو مختلف فيه، والرَّاجح فيه عدم النَّقض؛ كخروج الدَّم.

ومنه: ما هو مختلف فيه، والرَّاجح فيه النَّقض؛ كالخارج مِن السَّبيلين مما ليس بمعتاد. [10]
 
[1] ينظر: "المغني" 1/230
[2] ينظر: "المصدر السابق" والمذهب: لا ينقض إلا إذا كان كثيرًا وهو ما فحُش في نفس كل أحدٍ بحسبه. ينظر: "الإنصاف" 1/197 و"المنتهى" 1/69 والإقناع 1/58
[3] وهي الرواية الثانية عن الإمام أحمد اختارها شيخ الإسلام ابن تيمية كما في "الاختيارات" ص28 و"مجموع الفتاوى" 21/242 والسعدي في "المختارات الجلية" 8/209 وابن عثيمين في "الشرح الممتع" 1/274
[4] قال الحافظ في "بلوغ المرام" رقم 74: " وضعفه أحمد وغيره"
[5] أخرجه ابن ماجه 1221 والدارقطني 563 و565 -566 و568 وابن عدي في "الكامل" 1/480 والبيهقي 669 من طريق إسماعيل بن عياش، عن ابن جريج، عن ابن أبي مليكة، عن عائشة، قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: فذكرته.
قال البوصيري في "الزوائد" 1/144: "هذا إسناد ضعيف؛ لأنه من رواية إسماعيل عن الحجازيين، وهي ضعيفة" وقال الحافظ في "التلخيص" 1/654، رقم 430: "وأعله غير واحد بأنه من رواية إسماعيل بن عياش عن ابن جريج، ورواية إسماعيل عن الحجازيين ضعيفة، وقد خالفه الحفاظ من أصحاب ابن جريج، فرووه عنه عن أبيه عن النبي صلى الله عليه وسلم مرسلًا"
وقال ابن عدي: "هذا الحديث رواه ابن عياش مرة هكذا، ومرة قال: عن ابن جريج عن أبيه عن عائشة، وكلاهما غير محفوظين"
وقد اختلف فيه على إسماعيل بن عياش كما وضحه الدارقطني في "السنن" 63-68
والصحيح أنه مرسل، كما قال الدارقطني بإثر حديث 569: "وأصحاب ابن جريج الحفاظ عنه يروونه، عن ابن جريج، عن أبيه، مرسلًا، والله أعلم" وكذلك قال أبو حاتم وأبو زرعة الرازيين، كما في "العلل" 1/482، رقم 57 و2/459، رقم 512
والحديث ضعفه الإمام أحمد وابن معين وغيرهم. ينظر: "نصب الراية" 1/38 "البدر المنير" 4/100 "التلخيص الحبير" 1/653، رقم 430 "الهداية" 4/40، رقم 510
[6] أخرجه الدارقطني 554 و580 ومن طريقه البيهقي 666 من طريق صالح بن مقاتل, ثنا أبي, ثنا سليمان بن داود أبو أيوب, عن حميد، عن أنس، أن النبي صلى الله عليه وسلم احتجم.. فذكره.
قال الدارقطني: " حديث رفعه ابن أبي العشرين, ووقفه أبو المغيرة, عن الأوزاعي, وهو الصواب"
وقال ابن عبد الهادي في "التنقيح" 1/291، رقم 323: " حديث أنس: لا يثبت، وسليمان بن داود: مجهول، وصالح بن مقاتل: ليس بالقوي- قاله الدارقطني-، وأبوه: غير معروف، وقال البيهقي: في إسناد هذا الحديث ضعف"
 وقال الحافظ في "التلخيص" 1/326، رقم 152: " وفي إسناده صالح بن مقاتل وهو ضعيف"
وضعفه النووي في "الخلاصة" 1/143، رقم 295
[7] أخرجه البخاري 3700 من حديث عمرو بن ميمون.
[8] أخرجه ابن المبارك في "الجهاد" 189 ومن طريقه: أحمد 14704 وأبو داوود 198 وابن حبان 1096 والبيهقي 664 والضياء في "المختارة" كما في "تغليق التعليق" 2/113 عن محمد بن إسحاق، حدثني صدقة بن يسار، عن عُقيل بن جابر، عن جابر، به.
وأخرجه ابن نصر في "القيام" ص152 وابن خزيمة 36 والدارقطني 869 والحاكم 557 وعنه البيهقي 663 والحافظ في "التغليق" 2/114 من طرق، عن ابن إسحاق، به.
وعلَّقه البخاري في "صحيحه" "باب من لم ير الوضوء إلا من المخرجين: من القبل والدبر" قبل حديث 175 بصيغة التمريض: " ويذكر عن جابر: أن النبي صلى الله عليه وسلم كان في غزوة ذات الرقاع فرمي رجل بسهم، فنزفه الدم، فركع، وسجد ومضى في صلاته"
قال الحافظ في "الفتح" 1/281: " وعُقيل بفتح العين: لا أعرف راويًا عنه غير صدقة؛ ولهذا لم يجزم به المصنف، أو لكونه اختصره، أو للخلاف في ابن إسحاق"
والحديث قال عنه الحاكم: " صحيح الإسناد، فقد احتج مسلم بأحاديث محمد بن إسحاق، فأما عقيل بن جابر بن عبد الله الأنصاري، فإنه أحسن حالًا من أخويه محمد وعبد الرحمن"
قلت: وليس كذلك، فمحمد بن إسحاق لم يحتج به مسلم وإنما استشهد به في خمسة أحاديث كما قال الذهبي في "الميزان" 3/475، رقم 7197 وعقيل بن جابر فيه جهالة، لم يرو عنه غير صدقة كما قال الذهبي في "الميزان" 3/88، رقم 5702 والحافظ في "التغليق" 2/116 و"الفتح" 1/281 ولم يوثقه غير ابن حبان على عادته فيمن لم يجرح!
[9] ينظر: "المجموع" للنووي 2 / 576 و"التمهيد" لابن عبد البر 22/230 و"مراتب الإجماع" بن حزم ص19 ورجح شيخنا أنه ليس بنجس كما سيأتي في باب " إزالة النجاسة"
[10] شرح "زاد المستقنع" درس رقم /12/