النَّومُ اليسيرُ لا ينقضُ الوضوءَ على أيِّ حالٍ كانَ النَّائمُ

النَّومُ "اليسيرُ" غيرُ ناقضٍ للوضوءِ مطلقًا على الصَّحيح [1]: مِن قاعدٍ وقائم، أو راكعٍ وساجدٍ ومضطجع، خلافًا للكثير فإنّه ناقضٌ مطلقًا.
وفي المذهبِ عندهم تفصيلٌ: فلا ينقضُ نومَ القاعد والقائم إلّا ما كانَ كثيرًا، أمَّا المضطجعُ والرَّاكع والسَّاجد: فينقضُ كثيرُه ويسيرُه. 
[2] 
وعلَّلوا ذلك: بأنَّ القاعدَ والقائم، ليس كالمضطجع والرَّاكع والسَّاجد في حفظِ مخرجِ الحَدثِ [3]؛ لأنَّ المضطجع -ومثله الرَّاكع والسَّاجد- إذا نعسَ، أو حصلَ له شيء مِن النَّوم: فإنَّه لا يأمنُ خروج الحدثِ، وهو لا يدري.
والنَّومُ الكثيرُ هو الذي يغيبُ فيه شعور الإنسان، ولا يدري عمَّا حوله، ولا يشعرُ بشيء، وممكن أن يُعبَّر عنه: بالنَّوم المستغرق الذي يستغرق عقل الإنسان، واليسيرُ هو ما لا يستغرق عقله.
ومِن أهل العلم مَن قال: إنَّ النَّوم مِن القاعد المتمكّن في مقعدته، بحيث يأمن منه أنَّ نومه لا ينقض، فإنَّه لا ينقض 
[4]؛ لأنَّه في هذه الحال أمِنَ مِن الحدثِ، ولكن إطلاق الحديث هو نومٌ، مطلق النَّوم.
وإذا شكَّ الإنسانُ هل نومُه ناقضٌ، أو ليس بناقضٍ؟ فالأصلُ: عدمُ النَّقض، يعني هل نامَ نومًا ناقضًا، هل هو استغرق، أو لم يستغرق؟ فالأصلُ: عدمُ النَّقض. 
[5]
وأصلُ النَّقض بالنَّوم: حديثُ "صفوان بن عسال" قال: "أمرنا رسولُ الله -صلَّى الله عليه وسلَّم- ألا ننزع خفافَنا ثلاثة أيام ولياليهن، إلّا مِن جنابة، ولكن مِن غائطٍ وبولٍ ونومٍ"[6] فهذا نصّ في النَّقض بالنَّوم.
وجاءت أحاديث أخرى -لكنَّها ضعيفة-:
(العينُ وكاءُ السَّهِ، فإذا نامتِ العينانِ استطلقَ الوِكاءُ)[7] والسَّه: حلقةُ الدّبر. [8]
قال العلماءُ: هذا فيه دلالة على أنَّ النَّوم ليس هو في ذاته ناقض، لكنّه مظنّة النَّقض [9]؛ لأنَّ الإنسان إذا نامَ: لا يدري عن نفسه، يحدثُ وهو لا يشعر، فجُعِلَت المظنَّة علَّة للحكم، مظنَّة الحدث، مظنَّة النَّقض: النَّومُ.
ومِن الدَّليل على العفو عن يسير النَّوم: حديث أنس، عند أبي داود، وأصله في مسلم، ذكره الحافظ ابن حجر في "بلوغ المرام"
[10] قال: (كانَ أصحابُ رسول الله -صلّى الله عليه وسلّم- ينتظرون العشاء الآخرة حتى تخفق رءوسهم) -تخفق: يعني يرفع رأسَه ثم يطأطئه، وتكون لحيته على صدره، ذقنه، يرفع ويخفض- (ثمَّ يصلّون ولا يتوضئون) [11]، هذا دليلٌ على أنَّ النّوم اليسير لا ينقض.
وفي بعض روايات هذا الحديث: يضَعونَ جنوبَهم فينامونَ، منهم مَن يتوضَّأُ، ومنهم مَن لا يتوضَّأُ. 
[12]
فمجموع الأدلّة يمكن أن نأخذ منها: أنَّ النَّوم اليسيرَ لا ينقضُ؛ مِن قاعدٍ، وقائمٍ، ومضطجعٍ، في كلّ الحالات، وأمّا الكثير: فإنَّه ينقضُ . [13]
 
[1] وهو قول بعض الأصحاب. ينظر: "الإنصاف" 1/199واختاره الشيخان: ابن باز وابن عثيمين. ينظر: "الاختيارات الفقهية" ص29 و"الشرح الممتع" 1/278
[2] وهذا هو المذهب. كما في "المنتهى" 1/70 و"الإقناع" 1/58 وقال في"الإنصاف" 1/199: "وعنه لا ينقض نوم الجالس، ولو كان كثيرًا، واختاره الشيخ تقي الدين، وصاحب الفائق. قال الزركشي: وحكي عنه: لا ينقض غير نوم المضطجع" .. ونقل الميموني: لا ينقض النوم بحال، واختاره الشيخ تقي الدين إن ظن بقاء طهره، وصاحب الفائق" وينظر: "الاختيارات" ص28
[3] ينظر: "شرح المنتهى" 1/139-140 و"كشاف القناع" 1/292
[4] وهو قول الشافعي. ينظر: "المغني" 1/235
[5] ينظر: "كشاف القناع" 1/292
[6] أخرجه الشافعي ص17، ورقم 122 بترتيب السندي ومن طريقه البغوي في "شرح السنة" 161 وعبد الرزاق 792 وأحمد 18091 و18095 وابن أبي شيبة 1867 وعنه ابن ماجه 478 والترمذي 96 والنسائي 126 وابن الجارود 4 وابن خزيمة 17 و196 والطحاوي في "شرح المشكل" 3441 وابن حبان 1100 و1320-1321 والطبراني في "الكبير" 7351 – 7388 والبيهقي 577 و1310 والضياء في "المختارة" 1/رقم 21- 31 من طرق كثيرة، عن عاصم بن أبي النجود، عن زر بن حبيش، عن صفوان بن عسال، مطولًا ومختصرًا.
وتابع عاصمًا جماعة من الرواة كما قال الترمذي: " وقد روي هذا الحديث، عن صفوان بن عسال أيضًا من غير حديث عاصم" وذكرهم ابن منده في "مستخرجه" كما في "التلخيص" 1/413، رقم 216 وينظر: "إرواء الغليل" 1/140، رقم 103
قال الترمذي: " حديثٌ حسنٌ صحيح، قال محمد: أحسن شيء في هذا الباب حديث صفوان بن عسال"
[7] أخرجه الدارمي 749 وأبو يعلى 7372 والطحاوي في "شرح المشكل" 3434 والطبراني في "الكبير" 19/ رقم 875 والبيهقي 579 من طريق بقية بن الوليد، عن أبي بكر بن أبي مريم، عن عطية بن قيس الكلاعي، عن معاوية بن أبي سفيان، به.
وأخرجه الطبراني في "الكبير" 19/ رقم 875 والدارقطني 597 من طريق الوليد بن مسلم، به.
والوليد وابنه بقية: مدلسان تدليس تسوية، وهو شر أنواع التدليس، وأبو بكر بن أبي مريم ضعيف! لذلك قال الحافظ في "التلخيص" 1/333، رقم 159: "في إسناده: بقية، عن أبي بكر بن أبي مريم، وهو ضعيف" وأورده الهيثمي في "المجمع" 1/247، رقم 1285 وقال: " وفيه أبو بكر بن أبي مريم، وهو ضعيف لاختلاطه"
وخالفه مروان بن جناح، فرواه عن عطية بن قيس، عن معاوية موقوفًا: أخرجه البيهقي 580 وابن عدي 2/209 وقال: " قال الوليد بن مسلم: ومروان أثبت من أبي بكر بن أبي مريم"
وله شاهد من حديث علي. قال أحمد: "هو أثبت من حديث معاوية".  ينظر: "الخلاصة" 1/132رقم: 262 "تنقيح التحقيق" 1/252 "نصب الراية" 1/45 "البدر المنير" 2/425 "التلخيص الحبير" 1/333، رقم 159 "صحيح أبي داوود" 1/367، رقم 199
[8]  ينظر: "النهاية" لابن الأثير 2/429
[9] ينظر: "كشاف القناع" 1/291
[10] "باب نواقض الوضوء" رقم 67
[11] أخرجه مسلم 376 125 وأحمد 13941 والترمذي 78 والطحاوي في "شرح المشكل" 3448 وغيرهم، من طرق، عن شعبة عن قتادة عن أنس، به. وأخرجه  أبو داوود 200 ومن طريقه البيهقي 590 والدارقطني 475 من طريق هشام الدستوائي، عن قتادة، به. وهذا لفظه.
[12] أخرجه البزار 7077 وأبو يعلى 3199 من طريق سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة، عن أنس، به. أورده الهيثمي في "المجمع" 1/248، رقم 1290 وقال: " رواه البزار، وأبو يعلى، ورجاله رجال الصحيح"
وخالف سعيدًا جمعٌ من الحفاظ فرووه عن قتادة بغير هذه الزيادة. ينظر: "نصب الراية" 1/46 و"البدر المنير" 2/507 و"التلخيص الحبير" 1/334، رقم 161 "صحيح أبي داوود" 1/360، رقم 195-197 "إرواء الغليل" 1/149، رقم 114
[13] شرح "زاد المستقنع" درس رقم /12/