أكلُ لحم الإبل ناقضٌ للوضوء ويجبُ التَّطهُّر منه

يجبُ الوضوء مِن لحم الإبل، وهذا هو المذهب المشهور عن الإمام أحمد[1]، ويعدّ ذلك مِن مفرداته، والأئمة الثلاثة: على أنَّ أكل لحم الإبل لا ينقضُ الوضوء. [2]
واستدلّ الإمام أحمد على هذا: بالحديثين الصَّحيحن، المعروفين، أحدهما عند مسلم[3]، والآخر في السّنن. [4]
وفي الحديثين: السؤال عن الوضوء مِن لحم الإبل، ولحم الغنم، فقال في الإبل: (نَعم، توضَّؤوا مِن لحومِ الإبلِ) بصيغة الأمر، وقال في الغنم: (إنَّ شئتَ توضَّأ، وإنْ شئتَ فلا تتوضَّأ) بالخيار، فعُلم بذلك: الفرق.
واستدلّ الأئمة الثلّاثة على عدم النَّقض: بحديث جابر الذي فيه:
(كانَ آخرُ الأمرَينِ مِن رسولِ اللهِ -صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ-: ترك الوضوءِ مما مسّتِ النّارُ) [5]
وحملوا حديث: (توضّؤوا مِن لحومِ الإبلِ) على هذا المعنى، على أنَّه كان مِن قبيل الأمر بالوضوء ممَّا مسَّتِ النّار، فيكون منسوخًا.
وهذا ممنوع مِن وجهين:
* الوجه الأول: أنَّ السؤال ليس فيه تفصيل، بل فيه السؤال عن الوضوء مِن لحم الإبل فقط، واللحم يؤكل نيئًا ومطبوخًا، إذًا فهو حكم آخر، غير الوضوء ممَّا مسَّت النَّار.
وصحّ عن النَّبيِّ -عليه الصَّلاة والسَّلام- أنَّه قال:
(توضؤوا ممَّا مسَّتِ النّارٌ) [6]، وهذا يشمل ما مسّت النَّارُ مِن: لحمٍ، أو خبزٍ، أو غير ذلك، مما يُعالج بالنَّار.
أمّا هذا الحديث فهو مطلق في اللحم، سواء كان مطبوخًا أو نيئًا. هذا وجه.
* والوجه الثَّاني: أنَّ في نفس الحديث ما يبطل دعواهم، ففي قوله: "أفنتوضأ مِن لحوم الغنم؟" قال:
(إنْ شئتَ) فلو كان هذا الحديث مِن قبيل الأمر بالوضوء ممَّا مسَّت النَّارُ: لَمَا جاء هذا التَّفصيل والفرق بين لحم الإبل ولحم الغنم، بل يجب أن يكون حكمهما واحدًا.
ولو كان الأمر بالوضوء مِن لحم الإبل هو مِن قبيل الأمر بالوضوء ممَّا مسَّت النَّارُ: لَمَا كان بين الإبل والغنم فرق، فتفريق النَّبي -عليه الصَّلاة والسَّلام- بين لحم الإبل ولحم الغنم يمنع مِن أن يكون المقصود الوضوء مما مسَّت النَّار؛ فتبيَّن ضعف قول مَن قال: إنّ هذا مِن قبيل الأمر بالوضوء مما مسَّت النَّار.
ولهذا فالقول الرَّاجح: هو القول بالنَّقض، ووجوب الوضوء مِن لحم الإبل. 
[7]
 
[1] ينظر: "الإنصاف" 1/216 و"المنتهى" 1/72 و"الإقناع" 1/60
[2] ينظر: "المغني" 1/250 وهي رواية عن الإمام أحمد. قال في "الإنصاف": "اختاره يوسف الجوزي والشيخ تقي الدين" وقال البعلي في الاختيارات" ص28: "وفي المسائل: يجب الوضوء من لحم الإبل؛ لحديثين صحيحين، لعله آخر ما أفتى به"
[3] من حديث جابر بن سمرة رقم 360:  أن رجلا سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم أأتوضأ من لحوم الغنم؟ قال: «إن شئت فتوضأ، وإن شئت فلا توضأ» قال أتوضأ من لحوم الإبل؟ قال: «نعم فتوضأ من لحوم الإبل» قال: أصلي في مرابض الغنم؟ قال: «نعم» قال: أصلي في مبارك الإبل؟ قال: «لا».
[4] من حديث البراء بن عازب: أخرجه عبد الرزاق 1596 ومن طريقه ابن حبان 1128 وأحمد 18538 والطيالسي 770 ومن طريقه البيهقي739 وابن أبي شيبة 511 وعنه ابن ماجه 494 وأبو داوود 184 والترمذي 81 وابن الجارود 26 وابن خزيمة 32 من طرق، عن الأعمش، عن عبد الله بن عبد الله الرازي، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن البراء بن عازب قال: سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الوضوء من لحوم الإبل؟ فقال «توضئوا منها» ورواه بعضهم مطولًا وبعضهم مختصرًا. قال ابن خزيمة: "لم نر خلافًا بين علماء أهل الحديث أن هذا الخبر صحيح من جهة النقل لعدالة ناقليه"
[5] أخرجه أبو داود 192 والنسائي 185 وابن الجارود 24 وابن خزيمة 43 والطحاوي في "شرح المعاني" 394 وابن حبان 1134 والبيهقي 721 من طرق، عن علي بن عياش، عن شعيب بن أبي حمزة، عن محمد بن المنكدر، عن جابر، به.
قال أبو حاتم في "العلل" لابنه 1/644، رقم 168: "هذا حديث مضطرب المتن؛ إنما هو: أن النبي صلى الله عليه وسلم أكل كتفًا ولم يتوض؛ كذا رواه الثقات عن ابن المنكدر عن جابر، ويحتمل أن يكون شعيب حدث به من حفظه؛ فوهم فيه" وبنحوه قال ابن حبان.
وقال الحافظ في "التلخيص" 1/329، رقم 155: "وله علة أخرى: قال الشافعي في "سنن حرملة": لم يسمع ابن المنكدر هذا الحديث من جابر، إنما سمعه من عبد الله بن محمد بن عقيل"
وأصل الحديث في البخاري  5457 من طريق سعيد بن الحارث، عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما: أنه سأله عن الوضوء مما مست النار؟ فقال: «لا، قد كنا زمان النبي صلى الله عليه وسلم لا نجد مثل ذلك من الطعام إلا قليلا، فإذا نحن وجدناه لم يكن لنا مناديل إلا أكفنا وسواعدنا وأقدامنا، ثم نصلي ولا نتوضأ». وينظر مناقشة ابن القيم لرأي الجمهور في "تهذيب السنن" 1/219 مع عون المعبود
[6] أخرجه مسلم 351 352 353 من حديث: أم المؤمنين عائشة، وزيد بن ثابت، وأبي هريرة رضي الله عنهم أجمعين.
[7] شرح "زاد المستقنع" درس رقم /13/