الأَمَة كالحرَّة في حكمِ العورة

عورة الرَّجل والأمَة وأمّ الولد ومَن عُتِقَ بعضُها: مِن السُّرَّة إلى الرُّكبة في المشهور مِن المذهب[1]، والحرَّة بخلاف ذلك، فالحرَّة كلُّها عورةٌ في الصَّلاة إلَّا وجهها.
وهذا التَّفريق بين الحرَّة والأمة لم يذكروا دليلًا عليه 
[2]؛ ولهذا ذهبَ أهلُ العلم إلى أنَّ الأمة -سواء أكانت أمّ ولد أو قنة- والقن هو الرَّقيق الخالص- حكمُها كالحرَّة[3]، لأنَّ الأدلَّة الدَّالة على وجوب سَترِ المرأة جميع بدنها -إلَّا ما كان مِن خلاف في الكفَّين وكذلك الوجه مستثنى مِن الجميع- واحدة.
فهذا عندي أنَّه قوي؛ لأنَّ الأدلَّة فيها عموم، فالحديث الذي يستدلّون به على وجوب ستر بدن الحرَّة عام: لا تُقبل صلاة حائض إلاَّ بخمار، 
[4] ومعنى حائض: "بالغة" [5]، وقوله: "صلاة حائض" عام، يعني: امرأة حائض.
فأجدُ أنَّ هذا القول -أي عدم التَّفريق بين الأَمة والحرَّة في حكم العورة- قويٌّ، والأصلُ أنَّ الأحكام واحدة، والبابُ واحد.
والذين قالوا: إنَّ الأمة كانت في عهد النَّبيِّ -عليه الصَّلاة والسَّلام- لا تحتجب؛ لأنَّها مبتذلة بالخدمة، وتُشبَّه بالقواعد التي قال الله فيهن: وَالْقَوَاعِدُ مِنَ النِّسَاءِ اللَّاتِي لَا يَرْجُونَ نِكَاحًا فَلَيْسَ عَلَيْهِنَّ جُنَاحٌ أَنْ يَضَعْنَ ثِيَابَهُنَّ غَيْرَ مُتَبَرِّجَاتٍ بِزِينَةٍ وَأَنْ يَسْتَعْفِفْنَ خَيْرٌ لَهُنَّ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ  [النور:٦٠]. وهذا إذا توجَّه صحيح، فهو في حكم النَّظر، أمَّا في الصَّلاة فالأصل أن حكم الجميع واحد: الحرّ والحرَّة، والعبدُ والعبدة.
وهذا كلّه في حكم السّترة في الصَّلاة، أمَّا في النَّظر: فله شأنٌ آخر، وليس بينهما تلازم، لا طردًا ولا عكسًا، فيجب السّتر عن العيون ما لا يجب ستره بالصَّلاة، كوجه الحرَّة يجب ستره عن الأنظار، ولا ينبغي ستره في الصَّلاة. 
[6]
 
[1] وهذا هو المذهب. ينظر: المنتهى 1/ 163، والإقناع 1/134
[2] استدل الأصحاب بحديث عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده مرفوعًا: إذا زوَّج أحدُكم جاريته: عبده أو أجيره؛ فلا ينظر إلى ما دون السرة والركبة؛ فإنه عورة أخرجه أحمد 6756 من طريق محمد بن عبد الرحمن الطفاوي، وعبد الله بن بكر السهمي، والعقيلي 2/167، والدارقطني 888 -وعنه البيهقي 3233- والخطيب في "تاريخ بغداد" 3/88  من طريق عبد الله بن بكر السهمي، كلاهما، عن سوار بن داوود، به.
وأخرجه أبو داود 4114 وعنه البيهقي 3220 من طريق وكيع، به. وقد قلب وكع اسم سوار، وتعقبه أبو داود.
وأخرجه الدارقطني 887 وعنه البيهقي 3234 من طريق النضر بن شميل، به. ولفظه: وإذا زوَّج أحدكُم عبدَه أو أمته أو أجيره؛ فلا تنظر الأمةُ إلى شيءٍ من عورته، فإن ما تحت السرة إلى ركبته من العورة.
وأخرجه أبو داوود 4113 وعنه البيهقي 3219 من طريق الوليد بن مسلم، عن الأوزاعي، عن عمرو بن شعيب، به.
وسوار بن داود هذا، لم يرو عنه غير هذا الحديث. قال أحمد: "لا بأس به". ووثقه ابن معين، وقال الدارقطني: "لا يتابع على أحاديثه، فيعتبر به". وذكره ابن حبان في كتاب "الثقات". ينظر: "تهذيب الكمال" 12/236
وقد تابعه الليث بن أبي سليم عند البيهقي 3236
والحديث فيه اختلاف في متنه، قال البيهقي 2/320 عقب حديث 3220: " وهذه الرواية إذا قرنت برواية الأوزاعي دلنا على أن المراد بالحديث نهي السيد عن النظر إلى عورتها إذا زوَّجها، وأن عورة الأمة ما بين السرة والركبة، وسائر طرق هذا الحديث يدل -وبعضها ينص- على أن المراد به: نهي الأمة عن النظر إلى عورة السيد بعد ما زُوِّجت، أو نهي الخادم من العبد أو الأجير عن النظر إلى عورة السيد بعد ما بلغا النكاح، فيكون الخبر واردًا في بيان مقدار العورة من الرجل، لا في بيان مقدارها من الأمة". وينظر: "الضعيفة" 956
[3] وهي الرواية الثانية عن الإمام أحمد، ينظر: المغني 2/333. والإنصاف 3/ 210
[4] أخرجه أحمد 25167، وابن ماجه 655، وأبو داود 641، وابن خزيمة 775، وابن حبان 1711، والحاكم 917، والبيهقي 3254، من طرق، عن حماد بن سلمة، عن قتادة، عن محمد بن سيرين، عن صفية بنت الحارث، عن عائشة مرفوعًا.
وأخرجه ابن حزم في "المحلى" 2/249 من طريق حماد بن زيد، به.
وخالفهما سعيدُ بن أبي عروبة: فرواه عن قتادة، عن الحسن مرسلًا، كما عند الحاكم 918، والبيهقي 3255، وبه أعله أبو داود، والحاكم. وقال الحافظ في "التلخيص" 1/665: "وأعله الدارقطني بالوقف، وقال: إنَّ وقفه أشبه". وينظر: "نصب الراية" 1/295-296، وتعقيب الألباني عليه في الإرواء" 1/214، رقم 196
[5] قال في "النهاية" 1/469: " أي التي بلغت سن المحيض وجرى عليها القلم، ولم يرد في أيام حيضها؛ لأن الحائض لا صلاة عليها، وجمع الحائض حيض وحوائض".
[6] شرح "زاد المستقنع- كتاب الصلاة" درس رقم /7/