لا يُعيد مَن رأى نجاسة بعد صلاتِهِ، ناسيًا أو جاهلًا، ولو كانَ يعلمها قبلَ دخولِه الصَّلاة

مَن رأى عليه نجاسةً بعد صلاته وهو يعلم أنَّها أصابته قبل دخوله الصَّلاة، لكنَّه نسيها أو جهلها يقولون: يعيد [1]، والصَّواب: أنَّه لا يعيد [2].
وبعضهم يفرِّق بين حال الجهل وحال النّسيان 
[3]، فإذا كان قد جهلها، أي مِن الأصل لم يدرِ أنَّه أصابته نجاسة: لم يُعِدْ، وإن كان قد عَلِمَ بها، ونَسي: فإنَّه يُعيد؛ لأنَّه فرَّط في عدم التَّطهّر منها.
والصَّواب: أنَّه لا فرقَ بين المسألتين، ولا بينهما والتي قبلها، فمَن رأى على بدنه نجاسة بعد الصَّلاة، وشكَّ أنَّها كانت فيها، كانت على بدنه أو ثوبه حال الصَّلاة، أو عَلِمَ أنَّها كانت فيها لكنَّه قد جهلها أنَّه أصابته نجاسة أو نسي ذلك: فالصَّواب أنَّه لا يُعيد في كلّ هذه الأحوال.
قال في "الرَّوض": "ومَن رأى عليه نجاسة بعد صلاته، وجهلَ كونها -أي النَّجاسة- فيها -أي في الصَّلاة-: لم يُعدها؛ لاحتمال حدوثها بعدها، فلا تبطل بالشَّك.
وإنْ علِمَ أنَّها -أي النَّجاسة- كانت فيها -أي في الصَّلاة- ولكن جهلها أو نسيها: أعادَ، كما لو صلَّى محدثًا ناسيًا" 
[4]
قياسًا على وجوب الإعادة على مَن نسي الوضوء، ويقول القائلون بعدم وجوب الإعادة: أنَّه فرق بين الطَّهارة مِن الحدث والطَّهارة مِن الخبث، فالطَّهارة مِن الحدث مأمور، ومَن نسي المأمور لم يسقط عنه بالجملة، لأنَّه يمكن تداركه، لأنَّه مأمور بفعله.
لكن مَن فعل المنهيّ عنه جاهلًا أو ناسيًا: فإنَّه معذور، كمَن تكلَّم في الصَّلاة، ناسيًا أو جاهلًا بالحكم: لم تبطل صلاته، كذلك مَن تلبّس بالنَّجاسة، أو لامس النَّجاسة -جاهلًا أو ناسيًا-: لم تبطل صلاتُه بذلك؛ لأنّ اجتناب النَّجاسة مِن قبيل ترك المحذور، ترك المنهي عنه، فمَن فعل المنهيّ عنه ناسيًا أو جاهلًا؛ فهو معفو عنه، كما قال تعالى: رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا [البقرة:٢٨٦ ]
 فإنْ تذكَّرَ وهو يصلّي: يجبُ عليه أن يتخلَّص منها، إن كان في الشّماغ يخلع الشّماغ، كما جاء في حديث خلع الرَّسول نعليه،
[5]  وفي المسجد ممكن ترمي الشّماغ، وممكن تخلع النَّعلين، كما فعل النَّبيُّ -عليه الصَّلاة والسَّلام-، وفي بيتك يمكن أن تخلع ثوبك، وهكذا . [6]
 
[1] قال في "الإنصاف" 1/486: "وهو المذهب". وينظر: "المنتهى" 1/179، "الإقناع" 1/146
[2] قال في "الإنصاف" 1/486: " وهي الصحيحة عند أكثر المتأخرين". وكذا قال في "الإقناع" 1/146. وهو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية. ينظر: "مجموع الفتاوى" 22/99، و"الإنصاف" 1/486
[3] ينظر: "الإنصاف مع الشرح" 3/289
[4] 2/156-157
[5] أخرجه أحمد 11153 و11877، وأبو داود 650، وابن خزيمة 1017، وابن حبان 2185، والحاكم 955 وغيرهم، من طريق حماد بن سلمة، عن أبي نعامة السعدي، عن أبي نضرة، عن أبي سعيد الخدري أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: فذكره.
ورواه حماد بن زيد، عن أيوب السختياني، عن أبي نضرة، مرسلًا، كما قال أبو حاتم في العلل 2/226
وأخرجه عبد الرزاق في "المصنف" 1516 عن معمر، عن أيوب، عن رجل حدثه؛ عن أبي سعيد الخدري، به، مرفوعًا.
وأخرجه البيهقي 4088 عن معمر، عن أيوب، عن أبي نضرة؛ عن أبي سعيد، به، مرفوعًا.
قال الحافظ في "التلخيص" 1/663: "اختلف في وصله وإرساله، ورجح أبو حاتم في "العلل" الموصول". ينظر: "العلل" لابن أبي حاتم 330.
وقال الدارقطني في "العلل" 11/328: «يرويه أبو نعامة، عن أبي نضرة، عن أبي سعيد، حدث به حماد ابن سلمة، والحجاج بن الحجاج، وأبو عامر الخزاز، وعمران القطان. وروي عن أيوب السختياني، عن أبي نعامة، مرسلًا، ومن قال فيه: عن ابن سيرين، عن أبي هريرة، فقد وهم، والصحيح: عن أيوب؛ سمعه من أبي نعامة، ولم يحفظ إسناده فأرسله، والقول قول من قال: عن أبي سعيد».
وللحديث شواهد من حديث أبي هريرة، وأنس، وابن مسعود، وعائشة، وابن عباس، وعبد الله بن الشخير، انظرها في "نصب الراية" 1/207، و"التلخيص الحبير" 1/662، و"البدر المنير" 4/133، و"صحيح أبي داود" 2/238-242، رقم 411-413، و"إرواء الغليل" 1/314
[6] شرح "زاد المستقنع- كتاب الصلاة" درس رقم /11/