تبطلُ الصَّلاة إن لم تكن سترة: بمرورِ الكلبِ الأسودِ، أو الحمارِ، أو المرأةِ، بين يديهِ

تبطلُ الصَّلاة إن لم تكن سترة: بمرورِ الكلب الأسود، أو الحمار، أو المرأة بين يديه، على القول الرَّاجح [1]؛ لقوله -عليه الصَّلاة والسَّلام-: (يَقْطَعُ صَلاَةَ الرَّجُلِ -إِذَا لَمْ يَكُنْ بَيْنَ يَدَيْهِ مثل آخِرَةِ الرَّحْلِ-: المرْأةُ، والحِمَارُ، وَالكَلْبُ الأسْوَدُ)[2].
وهذه مسألة اختلفَ فيها أهلُ العلم إلى ثلاثة مذاهب: 
[3]
* أحدها: تبطلُ الصَّلاة بمرور الثَّلاثة: المرأة، أو الحمار، أو الكلب الأسود، وهذا الذي رجَّحناه.
* والثَّاني: لا يقطعُ الصَّلاة شيء؛ لحديث:
 (لاَ يَقْطَعُ الصَّلاةَ شَيْءٌ، وَادْرَؤُوا مَا اسْتَطَعْتُمْ) [4]، لكنَّه ضعيف، وهذا مذهب الجمهور، وتأوَّلوا حديث أبي ذرّ: بنقص الأجر.
 * والثَّالث: يقطعُ الصَّلاة "الكلبُ" فقط، والأسودُ البهيمُ منه على وجه الخصوص، فخرج بالأسود ما ليس بأسود، كالأبيض والأحمر، وبالبهيم -وهو الخالص- ما ليس كذلك، كالملوَّن. وهذا هو المشهور مِن مذهب الإمام أحمد . 
[5]
وأصلُ هذا الحكم مأخوذٌ مِن حديث أبي ذر -رضي الله عنه- عند مسلم: (يَقْطَعُ صَلاَةَ الرَّجُلِ -إِذَا لَمْ يَكُنْ بَيْنَ يَدَيْهِ مثل آخِرَةِ الرَّحْلِ-: المرْأةُ، والحِمَارُ، وَالكَلْبُ الأسْوَدُ)، قال أبو ذر: "فما بالُ الأسود؟" لماذا الأسود دون الأحمر والأصفر؟ فقال عليه الصَّلاة والسَّلام: (الكلبُ الأسودُ شيطانٌ) [6]. فعلَّله بذلك، وفي بعض هذه الأحاديث: الإطلاق، كحديث عبد الله ابن مغفل [7]، وحديث أبي هريرة . [8]
أمَّا المرأةُ والحمار، فقالوا: أخرجهما أحاديث أخرى:
أمَّا المرأة: فاستدلّوا بدليلين؛ الدَّليل الأوَّل: حديث عائشة -رضي الله عنها- لما قيلَ لها: إنَّ المرأة تقطعُ الصَّلاة، فغضبت وقالت: قد شبهتمونا بالحمير والكلاب ! والله «لقد رأيتُ النَّبيَّ -صلَّى الله عليه وسلَّم- يصلّي، وإنّي على السَّرير بينه وبين القبلة مضطجعة، فتبدو لي الحاجة، فأكره أن أجلس، فأوذي النَّبيَّ -صلَّى الله عليه وسلَّم- فأنسلُّ مِن عند رجليه» 
[9]، فلو كانت تقطعُ صلاته ما استمرَّ في صلاته.
والجوابُ: أنَّ هذا الحديث ليس فيه دليل؛ لأنَّ هذا ليس بمرور، وفرق بين المرور والاضطجاع، ونحن نوافقكم على أنَّ المرأة لو اضطجعت بين يدي المصلّي لم تقطع صلاته.
والدَّليل الثاني: حديث أم سلمة: كان النَّبي -صلَّى الله عليه وسلَّم- يصلّي في حجرة أم سلمة، فمرَّ بين يديه عبد الله، أو عمر بن أبي سلمة، فقال بيده، فرجع، فمرَّت زينب بنت أم سلمة، فقال بيده هكذا، فمضت، فلمَّا صلَّى رسول الله -صلَّى الله عليه وسلَّم- قال:
(هُنَّ أغْلَبُ)  [10]، ولم يستأنف الصَّلاة.
ويجاب عن هذا بجوابين:
- أحدهما: أنَّ هذا الحديث ضعيف، والضَّعيف لا تقوم به حجّة.
- والثَّاني: أنَّ البنت صغيرة، والرَّسول -صلَّى الله عليه وسلَّم- قال:
(المرْأةُ)، والمرأةُ هي الكبيرة البالغة، ونحن نوافقكم على أنَّ الصَّغيرة لا تقطع الصَّلاة.
وأمَّا إخراج الحمار: فلحديث ابن عباس قال: "أقبلتُ راكبًا على حمار أتان وأنا يومئذ قد ناهزت الاحتلام، ورسول الله -صلَّى الله عليه وسلَّم- يصلّي بالناس بمنى إلى غير جدار، فمررتُ بين يديِّ بعض الصَّف، فنزلتُ وأرسلتُ الأتان ترتع، ودخلتُ في الصَّف فلم يُنكر ذلك عليَّ أحد»
[11]. قالوا: فهذا ناسخ لحديث أبي ذرّ وغيره؛ لأنَّه في آخر حياة النَّبي صلّى الله عليه وسلّم.
وفي هذا نظر مِن وجهين:
- أولاً: أنَّ النَّسخ هنا غير تام الشّروط؛ لأنَّه لم يكن هذا الفعل في آخر لحظة مِن حياته -صلَّى الله عليه وسلَّم- إذ مِن الجائز أن يكون حديث أبي ذرّ وهريرة وعبد الله بن مغفل بعد حجّة الوداع، ومِن شروط النَّسخ: أن نعلم تأخر النَّاسخ.
- ثانيًا: أنَّ ابن عباس -رضي الله عنهما- لم يقل إنَّه مرَّ بين يدي الرَّسول -صلَّى الله عليه وسلَّم- بل بين يدي بعض الصَّف، ونحن نقول بموجب ذلك: أي أنَّ المأموم لا يقطع صلاته شيء، لا الكلب ولا غيره؛ لأنَّ سترة الإمام سترةً له.
وعلى هذا: فيكون القول الرَّاجح في هذه المسألة: أنَّ الصلاة تبطلُ بمرور المرأة والحمار والكلب الأسود؛ لثبوت ذلك عن النَّبيِّ-صلَّى الله عليه وسلَّم-.
ولا مقاوم لهذا الحديث يعارضه، حتى نقول إنَّه منسوخ، أو مخصَّص، بل تبطل الصَّلاة، ويجب أن يستأنفها، ولا يجوز أن يستمر، حتى لو كانت الصَّلاة نفلاً؛ لأنَّه لو استمرَّ لاستمرَّ في عبادة فاسدة، والاستمرار في العبادات الفاسدة محرَّم، ونوع مِن الاستهزاء بالله -عز وجل-، إذ كيف يتقرَّب مِن الله بما لا يرضاه، ومِن قواعد أهل العلم: كلُّ عقدٍ فاسدٍ، وكلُّ شرطٍ فاسدٍ، وكلُّ عبادةٍ فاسدة، فإنَّه يحرمُ المضيّ فيها 
[12]، ولهذا لمَّا شرطَ أهلُ "بريرة" الولاء لهم قام النَّبيُّ -صلَّى الله عليه وسلَّم- فخطب النَّاس، وقال منكرًا عليهم: (مَا بَالُ أَقْوَامٍ يَشْتَرِطُونَ شُرُوطًا لَيْسَتْ فِي كِتَابِ اللَّهِ !؟) [13] [14]
 
[1] وهي الرواية الثانية عن الإمام أحمد. قال في "الإنصاف" 2/107: "اختارها المجد، ورجحه الشارح، وقدمه في المستوعب، وابن تميم، وحواشي ابن مفلح، وجزم به ناظم المفردات، وهو منها، واختاره الشيخ تقي الدين، وقال: هو مذهب أحمد". وينظر: "الاختيارات" ص89
 اختارها جماعة من الأصحاب، وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: " هو مذهب أحمد". ينظر: الإنصاف 2/106
[2] أخرجه مسلم 510 من حديث أبي ذر.
[3] ينظر: "المغني" 3/97، و"التمهيد" لابن عبد البر 21/168، و"المحلى" لابن حزم 2/320
[4] أخرجه أبو داود 719، والدارقطني 1382، والبيهقي 3510 من طريق مجالد بن سعيد، عن أبي الوداك، عن أبي سعيد الخدري، به.
ومجالد بن سعيد ضعيف، وقد اختلف عليه في رفعه ووقفه! فرواه أبو أسامة حماد بن أسامة، عن مجالد بهذا الإسناد مرفوعًا. وتابعه مُحاضر بن المُورِّع الهمداني عند ابن المنذر في "الأوسط" 2479
وخالفهم عبد الرحمن بن زياد البصري، فرواه عن مجالد موقوفاً. أخرجه أبو داود 720، والبيهقي 3511
والحديث ضعفه الألباني في "ضعيف أبي داود" 1/263، رقم 115
وللحديث شواهد عن ابن عمر، وأنس، وجابر، وأبي هريرة، وأبي أمامة، وكلها ضعاف كما قال ابن الجوزي وابن حجر! ينظر: "نصب الراية" 2/76 -78، و"الدراية" 1/178، و"التحقيق" لابن الجوزي 1/426 -427، وفتح الباري لابن حجر 1/588، والضعيفة 5660 و5661.
[5] قال في "الإنصاف" 2/106: " لا أعلم فيه خلافًا من حيث الجملة، وهو من المفردات". وينظر: "المنتهى" 1/232، و"الإقناع" 1/202.
[6] أخرجه مسلم 510
[7] أخرجه أحمد 16797 ، وابن ماجه 951 من طريق سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة، عن الحسن، عن عبد الله بن مغفل، عن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: يقطع الصلاة: المرأة، والكلب، والحمار. وإسناده على شرط الشيخين.
[8] أخرجه مسلم 511 ولفظه: يقطع الصلاة: المرأة والحمار والكلب، ويقي ذلك مثل مؤخرة الرحل.
[9] أخرجه البخاري 514، ومسلم 512
[10] أخرجه أحمد 26523، وابن ماجه 948 من طريق محمد بن قيس، عن أمه، عن أم سلمة قالت: قالت: كان النبي -صلى الله عليه وسلم- يصلي في حجرة أم سلمة، فمر بين يديه عبد الله، أو عمر بن أبي سلمة، فقال بيده، فرجع، فمرت زينب بنت أم سلمة، فقال: بيده هكذا، فمضت، فلما صلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: «هن أغلب». قال البوصيري في "الزوائد" 1/116: "هذا إسناد ضعيف، ووقع في بعض النسخ: "عن أمه" بدل: "عن أبيه"، وكلاهما لا يعرف". وضعفه الألباني في "الضعيفة" 4743
[11] أخرجه البخاري 76، ومسلم 504
[12] ينظر: "القواعد" لابن رجب ص65
[13] أخرجه البخاري 2168، ومسلم 1504 من حديث أم المؤمنين عائشة.
[14] شرح "زاد المستقنع، كتاب الصلاة" درس رقم /22/