بسمِ اللهِ الرَّحمنِ الرَّحيمِ
التَّعليق على كتاب (تحفة المودود في أحكام المولود) للإمام ابن القيّم
الدّرس الثّلاثون

***    ***    ***    ***

 
- القارئ: بسمِ اللهِ الرحمنِ الرحيمِ اللّهم اغفرْ لنا ولشيخِنا وللحاضرين والمستمعين، قالَ الإمامُ ابنُ القيّمِ -رحمَهُ اللهُ تعالى- في كتابِهِ (تُحفةُ المودودِ بأحكامِ المولودِ):
الْفَصْلُ الثَّالِثُ فِي تَغْيِيرِ الِاسْمِ باسمٍ آخرٍ لمصْلحَةٍ تَقْتَضِيهِ.
عَن ابْنِ عمرٍ -رضيَ اللهُ عنهما- أَنَّ النَّبِيَّ -صلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسلَّمَ- غيَّرَ اسْمَ "عاصيةَ" وَقَالَ: (أَنْتِ جميلَةٌ)، وَفِي صَحِيحِ البُخَارِيِّ عَن أبي هُرَيْرَةَ أَنَّ زَيْنَبَ كَانَ اسْمُهَا "بَرَّةً" فَقيلَ تُزكَّي نَفسَهَا، فسمَّاها رَسُولُ اللهِ -صلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسلَّمَ- "زَيْنَبَ".
وَفِي سُنَنِ أبي دَاوُدَ مِن حَدِيثِ سعيدٍ بنِ الْمُسيَّبِ عَن أَبِيه عَن جدِّهِ أَنَّ النَّبِيَّ -صلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسلَّمَ- قَالَ: مَا اسْمُكَ؟ قَالَ: حَزْن، قَالَ: أَنْتَ سهلٌ، قَالَ: لَا السهلُ يُوطَأُ ويُمتهَنُ، قَالَ سعيدٌ فَظَنَنْتُ أَنَّهُ سيصيبُنا بعدَهُ حزونةٌ.
وَفِي الصَّحِيحَيْنِ أَنَّ رَسُولَ اللهِ -صلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسلَّمَ- أُتِي بالمنذرِ بنِ أبي أُسيدٍ حِينَ وُلِدَ فَوَضعَهُ على فَخذِهِ فأقامُوهُ فَقَالَ: أَيْنَ الصَّبِيُّ؟ فَقَالَ أَبُو أُسيدٍ: قلبْناهُ يَا رَسُولَ اللهِ. قَالَ: مَا اسْمُهُ؟ قَالَ: فلَان قَالَ: لا وَلَكِنَّ اسْمَهُ الْمُنْذرُ.
وروى أَبُو دَاوُدَ فِي سُنَنِه عَن أُسَامَةَ بنِ أخدريٍّ أَنَّ رجلاً كَانَ يُقَالُ لَهُ أَصْرَمُ كَانَ فِي النَّفرِ الَّذينَ أَتَوا رَسُولَ اللهِ -صلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسلَّمَ- فَقَالَ رَسُولُ اللهِ -صلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسلَّمَ-: مَا اسْمُكَ؟ قَالَ أَصْرَمُ قَالَ: بلْ أَنْت زُرْعَةُ.
قَالَ أَبُو دَاوُدَ: وَغيَّرَ رَسُولُ اللهِ -صلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسلَّمَ- اسْمَ الْعَاصِ وعُزيزٍ وعُتلةَ وَشَيْطَانَ وَالْحكمِ وغرابِ وشهابِ وحبابِ، فَسَمَّاهُ هاشماً، وسمَّى حَربًا سِلماً، وسمَّى المضطجعُ المنبعثُ، وأرضاً يُقَالُ لَهَا عفرَةَ خضرَةَ وَشِعبُ الضَّلَالَة سَمَّاهُ شِعبَ الْهُدى، وَبَنُو الزنيةِ سمَّاهم بني الرشدةِ

- الشيخ: بنو الزنية؟
- القارئ: نعم
- الشيخ: أعوذ بالله
- طالب: عندنا بالكسر.. بنو الزينة.

- الشيخ: لا لا، زينة زينة الزينة زينة، بني الزنية أيش؟
- القارئ: وَبَنُي الزِّينَة سمَّاهم بني الرشدةِ
- الشيخ: "رشدة" زين.
- القارئ: وَسمَّى بني مغويةَ بني رشدةَ، قَالَ أَبُو دَاوُدَ: تركت أسانيدُها للاختصارِ، وَفِي سنَنِ الْبَيْهَقِيِّ مِن حَدِيثِ اللَّيْثِ بنِ سعدٍ عَن يزِيدَ بنِ أبي حبيبٍ عَن عبدِ اللهِ بنِ الْحَارِثِ بنِ جُزْءٍ الزبيدِيّ قَالَ: توفّي صَاحبٌ لي غَرِيباً فَكُنَّا على قَبرِهِ أَنا وَعبدُ اللهِ بنِ عمرَ وَعبدُ اللهِ بنُ عَمْروِ بنِ الْعَاصِ، وَكَانَ اسْمِي الْعَاصِ وَاسمُ ابْنِ عمرَ الْعَاصِ وَاسمُ ابْنِ عَمْروٍ الْعَاصِ، فَقَالَ لنا رَسُولُ اللهِ -صلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسلَّمَ-: انزلُوا فاقبروه وَأَنْتُم عبيدُ اللهِ، قَالَ: فنزلْنا فقبرْنا أخانا وصعدْنا مِن الْقَبْرِ وَقد أُبدِلَتْ أسماؤُنا.
وَإِسْنَادُهُ جيِّدٌ إِلَى اللَّيْثِ وَلَا أَدْرِي مَا هَذَا فَإِنَّهُ لَا يُعرفُ تَسْمِيَةُ عبدُ اللهِ بنُ عمرَ وَلَا ابْنُ عَمْروٍ بالعاصِ.
وَقد قَالَ ابْنُ أبي شيبَةَ فِي مُصَنفِهِ حَدَّثنَا مُحَمَّدٌ بنُ بشرٍ قالَ حَدَّثنَا زَكَرِيَّا عَن الشّعبِيِّ قَالَ: لمْ يدْركِ الْإِسْلَامَ مِن عُصاةِ قُرَيْشٍ غيرَ مُطِيعٍ وَكَانَ اسْمُه العَاصِي فَسَمَّاهُ رَسُولُ اللهِ -صلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسلَّمَ مُطيعاً.
وَقَالَ أَبُو بكرٍ بنُ الْمُنْذرِ حَدَّثنَا مُحَمَّدٌ بنُ إِسْمَاعِيلَ قالَ حَدَّثنَا أَبُو نعيمٍ قالَ حَدَّثنَا إِسْرَائِيلُ عَن أبي إِسْحَاقَ عَن هَانِئٍ بنِ هَانِئٍ عَن عَليٍّ -رَضِيَ اللهُ عَنهُ- قَالَ لمَّا وُلِدَ الحسنُ سمَّيْتُهُ حَرباً قَالَ فجَاءَ النَّبِيُّ -صلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسلَّمَ- فَقَالَ: أروني ابْني مَا سمَّيْتُمُوهُ؟ قُلْنَا حَرباً قَالَ: بلْ هُوَ حسنٌ فَلَمَّا وُلِدَ الْحُسَيْنُ سمَّيْتُهُ حَرباً فجَاءَ النَّبِيُّ -صلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسلَّمَ- فَقَالَ: أروني ابْني مَا سمَّيْتُمُوهُ؟ قُلْنَا حَرباً قَالَ: بلْ هُوَ حُسَيْنٌ قَالَ فَلَمَّا وُلِدَ الثَّالِثُ سمَّيْتُهُ حَرباً فجَاءَ النَّبِيُّ -صلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسلَّمَ- فَقَالَ: أروني ابْني مَا سمَّيْتُمُوهُ؟ قُلْنَا حَربًا قَالَ: بلْ هُوَ مُحسِنٌ، ثمَّ قَالَ إِنِّي سمَّيْتُهُم بأسماءِ ولدِ هَارُونَ شِبرَ وشُبيرَ ومُشَبَّرَ.
- طالب: عندي بالنسخة "شَبَّر وشُبَير ومُشَبَّر"

- الشيخ: نعم
- القارئ: وَفِي مُصَنَّفِ ابْنِ أبي شيبَةَ حَدَّثنَا مُحَمَّدٌ بنُ فُضَيْلٍ عَن الْعَلَاءِ بنِ المسيَّبِ عَن خَيْثَمَةَ قَالَ كَانَ اسْمُ أبي فِي الْجَاهِلِيَّةِ عُزَيزاً فَسَمَّاهُ رَسُولُ اللهِ -صلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسلَّمَ- عبدَ الرَّحْمَنِ.
وَقَالَ البُخَارِيُّ فِي كتابِ الْأَدَبِ: قالَ حَدَّثنَا إِبْرَاهِيمُ بنُ الْمُنْذرِ قالَ حَدَّثنَا زيدٌ بنُ الْحبابِ قَالَ حَدثنِي ابْنُ عبدِ الرَّحْمَنِ بنُ سعيدٍ المَخْزُومِيِّ وَكَانَ اسْمُهُ الصَرِمَ فَسَمَّاهُ رَسُولُ اللهِ -صلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسلَّمَ- سعيداً.
وحَدَّثنَا مُحَمَّدٌ بنُ سِنَانَ قالَ حَدَّثنَا عبدُ اللهِ بنُ الْحَارِثِ بنُ أَبْزَى قَالَ حَدَّثتْنِي أمِّي رائطةُ بنتُ مُسلمٍ عَن أَبِيهَا قَالَ: شهِدْتُ مَعَ رَسُولِ اللهِ -صلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسلَّم- حُنيناً فَقَالَ لي: مَا اسْمك؟ قلْتُ غرابَ قَالَ: بلْ أَنْتَ مُسلمٌ.
وكما أَنَّ تَغْيِيرَ الِاسْمِ يكونُ لقبحِهِ وكراهتِهِ فقدْ يكونُ لمصْلحَةٍ أُخْرَى مَعَ حُسنِهِ.

- الشيخ: نعم لقبحه وكراهته نعم.
- القارئ: كَمَا غيَّرَ اسْمَ بَرَّةَ بِزَيْنَبَ؛ كَرَاهَةَ التزكيةِ، وَأَنْ يُقَالَ خرجَ مِن عِنْدِ بَرَّةَ أَو يُقَالُ كنْتُ عِنْدَ بَرَّةَ فَيَقُولُ: لَا، كَمَا ذكرَ فِي الحَدِيثِ.
وَغيَّرَ النَّبِيُّ -صلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسلَّمَ- اسْمَ الْمَدِينَةِ وَكَانَ اسمُها "يثربَ" فسمَّاها "طابةَ" كَمَا فِي الصَّحِيحَيْنِ عَن أبي حُميدٍ قَالَ أَقبلْنَا مَعَ رَسُولِ اللهِ -صلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسلَّمَ- مِن تَبُوكَ حَتَّى أَشْرَفْنَا على الْمَدِينَةِ فَقَالَ هَذِهِ طابةُ.
ويُكرَهُ تسميتُها يثربَ، وَفِي صَحِيحِ مُسلمٍ عَن جَابرِ بنِ سَمُرَةَ قَالَ سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ -صلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسلَّمَ- يَقُول: (إِنَّ اللهَ سمَّى الْمَدِينَةَ طابةَ) وَيُكرَهُ تَسْمِيَتُهَا يثربَ كَرَاهَةً شَدِيدَةً، وَإِنَّمَا حكى اللهُ سبحانَهُ وتعالى تَسْمِيَتهَا يثربَ عَن الْمُنَافِقين فَقَالَ: وَإِذ يَقُول المُنَافِقُونَ وَالَّذين فِي قُلُوبِهم مرضٌ مَا وعدَنا اللهُ وَرَسُولُه إِلَّا غرُورًا وَإِذ قَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْهُم يَا أهلَ يثربَ لَا مُقَامَ لكم فَارْجِعُوا[الْأَحْزَاب:12_13]
وَفِي سُنَنِ النَّسَائِيِّ مِن حَدِيثِ مَالكٍ عَن يحيى بنِ سعيدٍ أَنَّه قَالَ سَمِعتُ أَبَا الْحبابِ سعيدٍ بنِ يسَارٍ يَقُول سَمِعتُ أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ سَمِعتُ رَسُولَ اللهِ -صلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسلَّمَ- يَقُولُ: (أُمِرْتُ بقريةٍ تَأْكُلُ الْقرى يَقُولُونَ يثربَ وَهِي الْمَدِينَةُ تَنْفِي النَّاسَ كَمَا يَنْفِي الْكِيرُ خَبثَ الْحَدِيدِ). انتهى. الفصلُ الرابعُ

- الشيخ: حسبُكَ
- القارئ: عفا اللهُ عنكَ .