بسمِ اللهِ الرّحمنِ الرّحيمِ
شرح كتاب (الجواب الصَّحيح لِمَن بدّل دين المسيح) لابن تيمية
الدّرس: الثامن عشر بعد المئة

***    ***    ***    ***
 
القارئ: الحمدُ للهِ ربِّ العالمينَ، والصلاة والسلام على أشرفِ الأنبياءِ والمرسلين نبيِّنا محمَّدٍ وعلى آلِهِ وأصحابهِ أجمعين، أمَّا بعدُ؛ فيقولُ شيخُ الإسلامِ ابنُ تيميةَ رحمَه اللهُ تعالى في كتابه: "الجوابُ الصحيحُ لـمن بَدَّلَ دينَ المسيحِ":
الشيخ: الله أكبر، الحمدُ للهِ الذي هدانَا للإسلامِ الذي هو دينه
القارئ: يقول رحمه الله تعالى: الْوَجْهُ الثَّانِي: أَنْ يُقَالَ: إِنَّ اللَّهَ لَمْ يَذْكُرْ أَنَّ الْمَسِيحَ مَاتَ وَلَا قُتِلَ إِنَّمَا قَالَ: يَا عِيسَى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ يَا عِيسَى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَجَاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا [آل عمران:55]
وَقَالَ الْمَسِيحُ عليه السلام:

الشيخ: لم يقل للمسيحِ كما قالَ لمحمدٍ: إِنَّكَ مَيِّتٌ [الزمر:30] بل قال: إِنِّي مُتَوَفِّيكَ والتَّوَفِـي تقدَّمَ أنه له دَلَالَاتٌ، ذُكِرَ لَه معنيان، التَّوَفي الذي هو استيفاء الشيء وقَبْضُهُ، والثاني: النوم يَتَوَفَّاكُمْ بِاللَّيْلِ [الأنعام:60]
 
القارئ: وَقَالَ الْمَسِيحُ عليه السلام: فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَأَنْتَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ [المائدة:117]
وَقَالَ تَعَالَى: فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ وَكُفْرِهِمْ بِآيَاتِ اللَّهِ وَقَتْلِهِمُ الْأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَقَوْلِهِمْ قُلُوبُنَا غُلْفٌ بَلْ طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْهَا بِكُفْرِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُونَ إِلَّا قَلِيلًا * وَبِكُفْرِهِمْ وَقَوْلِهِمْ عَلَى مَرْيَمَ بُهْتَانًا عَظِيمًا * وَقَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللَّهِ وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلَّا اتِّبَاعَ الظَّنِّ وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينًا * بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا * وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا * فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ وَبِصَدِّهِمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ كَثِيرًا * وَأَخْذِهِمُ الرِّبَا وَقَدْ نُهُوا عَنْهُ وَأَكْلِهِمْ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ [النساء:155-161]
فَذَمَّ اللَّهُ الْيَهُودَ بِأَشْيَاءَ مِنْهَا: قَوْلُهُمْ عَلَى مَرْيَمَ بُهْتَانًا عَظِيمًا، حَيْثُ زَعَمُوا أَنَّهَا بَغِيٌّ، وَمِنْهَا: قَوْلُهُمْ: إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللَّهِ [النساء:157] قَالَ تَعَالَى: وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ [النساء:157]

وَأَضَافَ هَذَا الْقَوْلَ إِلَيْهِمْ وَذَمَّهُمْ عَلَيْهِ. وَلَمْ يَذْكُرِ النَّصَارَى; لِأَنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا صَلْبَ الْمَصْلُوبِ الْمُشَبَّهِ بِهِ هُمُ الْيَهُودُ، وَلَمْ يَكُنْ أَحَدٌ مِنَ النَّصَارَى شَاهِدًا هَذَا مَعَهُمْ، بَلْ كَانَ الْحَوَارِيُّونَ خَائِفِينَ غَائِبِينَ، فَلَمْ يَشْهَدْ أَحَدٌ مِنْهُمُ الصَّلْبَ، وَإِنَّمَا شَهِدَهُ الْيَهُودُ
الشيخ: يعني: صَلْبَ الـمُشَبَّهِ بالمسيح
القارئ: فَلَمْ يَشْهَدْ أَحَدٌ مِنْهُمُ الصَّلْبَ، وَإِنَّمَا شَهِدَهُ الْيَهُودُ وَهُمُ الَّذِينَ أَخْبَرُوا النَّاسَ أَنَّهُمْ صَلَبُوا الْمَسِيحَ، وَالَّذِينَ نَقَلُوا أَنَّ الْمَسِيحَ صُلِبَ مِنَ النَّصَارَى وَغَيْرِهِمْ، إِنَّمَا نَقَلُوهُ عَنْ أُولَئِكَ الْيَهُودِ وَهُمْ شُرَطٌ مِنْ أَعْوَانِ الظَّلَمَةِ، لَمْ يَكُونُوا خَلْقًا كَثِيرًا يَمْتَنِعُ تَوَاطُؤُهُمْ عَلَى الْكَذِبِ.
قَالَ تَعَالَى: وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ. فَنَفَى عَنْهُ الْقَتْلَ، ثُمَّ قَالَ: وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ [النساء:159]
وَهَذَا عِنْدَ أَكْثَرِ الْعُلَمَاءِ مَعْنَاهُ قَبْلَ مَوْتِ الْمَسِيحِ، وَقَدْ قِيلَ: "قَبْلَ مَوْتِ الْيَهُودِيِّ" وَهُوَ ضَعِيفٌ، كَمَا قِيلَ: أَنَّهُ قَبْلَ مَوْتِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ

الشيخ: {لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ}، {وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ} موتِ محمدٍ. هذا قولٌ ثالث يمكن.
القارئ: وَهُوَ أَضْعَفُ
الشيخ: نعم
القارئ: فَإِنَّهُ لَوْ آمَنَ بِهِ قَبْلَ الْمَوْتِ لَنَفَعَهُ إِيمَانُهُ بِهِ
الشيخ: لو آمَنَ الكتابيُّ بمحمدٍ وبالمسيحِ قبلَ موتِهِ لَنَفَعَهُ، يعني يُضْعِفُ قولَ مَن يقولُ: وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قبلَ موتِهِ لو آمَنَ بالمسيحِ وبمحمدٍ قبلَ موتِهِ -أي: نفس الكتابيّ- لَنَفَعَهُ.
 
القارئ: فَإِنَّهُ لَوْ آمَنَ بِهِ قَبْلَ الْمَوْتِ فَإِنَّ اللَّهَ يَقْبَلُ تَوْبَةَ الْعَبْدِ مَا لَمْ يُغَرْغِرْ.
وَإِنْ قِيلَ: الْمُرَادُ بِهِ الْإِيمَانُ الَّذِي يَكُونُ بَعْدَ الْغَرْغَرَةِ، لَمْ يَكُنْ فِي هَذَا فَائِدَةٌ، فَإِنَّ كُلَّ أَحَدٍ بَعْدَ مَوْتِهِ يُؤْمِنُ بِالْغَيْبِ الَّذِي كَانَ يَجْحَدُهُ فَلَا اخْتِصَاصَ لِلْمَسِيحِ بِهِ، وَلِأَنَّهُ قَالَ قَبْلَ مَوْتِهِ، وَلَمْ يَقُلْ بَعْدَ مَوْتِهِ، وَلِأَنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ إِيمَانِهِ بِالْمَسِيحِ وَبِمُحَمَّدٍ صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِمَا وَسَلَامُهُ، وَالْيَهُودِيُّ الَّذِي يَمُوتُ عَلَى الْيَهُودِيَّةِ يَمُوتُ كَافِرًا بِمُحَمَّدٍ وَالْمَسِيحِ عَلَيْهِمَا الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ، وَلِأَنَّهُ قَالَ:
وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ[النساء:159] وَقَوْلُهُ: لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ
فِعْلٌ مُقَسَمٌ عَلَيْهِ
الشيخ:
لَيُؤْمِنَنَّ، وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَإِنْ مِنْ: يعني: "ما مِن". أداةُ حَصْرٍ، "إنْ" بمعنى "ما"، ما مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أحدٌ إلا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ بالمسيحِ قبلَ موتِ المسيحِ.
 
القارئ: وَقَوْلُهُ: لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ فِعْلٌ مُقَسَمٌ عَلَيْهِ، وَهَذَا إِنَّمَا يَكُونُ فِي الْمُسْتَقْبَلِ، فَدَلَّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّ هَذَا الْإِيمَانَ بَعْدَ إِخْبَارِ اللَّهِ بِهَذَا، وَلَوْ أُرِيدَ بِهِ قَبْلَ مَوْتِ الْكِتَابِيِّ لَقَالَ: "وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا مَنْ يُؤْمِنُ" بِهِ، لَمْ يَقِلْ: لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ 
وَأَيْضًا فَإِنَّهُ قَالَ وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَهَذَا يَعُمُّ الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى فَدَلَّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّ جَمِيعَ أَهْلِ الْكِتَابِ الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى يُؤْمِنُونَ بِالْمَسِيحِ قَبْلَ مَوْتِ الْمَسِيحِ وَذَلِكَ إِذَا نَزَلَ آمَنَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى بِأَنَّهُ رَسُولُ اللَّهِ لَيْسَ كَاذِبًا كَمَا تَقُولُ الْيَهُودُ، وَلَا هُوَ اللَّهُ كَمَا تَقُولُهُ النَّصَارَى.
وَالْمُحَافَظَةُ عَلَى هَذَا الْعُمُومِ أَوْلَى مِنْ أَنْ يُدَّعَى أَنَّ كُلَّ كِتَابِيٍّ لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ أَنْ يَمُوتَ الْكِتَابِيُّ، فَإِنَّ هَذَا يَسْتَلْزِمُ إِيمَانَ كُلِّ يَهُودِيٍّ وَنَصْرَانِيٍّ، وَهَذَا خِلَافُ الْوَاقِعِ، وَهُوَ لَمَّا قَالَ: وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ دَلَّ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِإِيمَانِهِمْ قَبْلَ أَنْ يَمُوتَ هُوَ، عُلِمَ أَنَّهُ أُرِيدَ بِالْعُمُومِ عُمُومَ مَنْ كَانَ مَوْجُودًا حِينَ نُزُولِهِ; أَيْ: لَا يَتَخَلَّفُ مِنْهُمْ أَحَدٌ عَنِ الْإِيمَانِ بِهِ، لَا إِيمَانَ مَنْ كَانَ مِنْهُمْ مَيِّتًا.

وَهَذَا كَمَا يُقَالُ: إِنَّهُ لَا يَبْقَى بَلَدٌ إِلَّا دَخْلَهُ الدَّجَّالُ إِلَّا مَكَّةَ وَالْمَدِينَةَ، أَيْ: مِنَ الْمَدَائِنِ الْمَوْجُودَةِ حِينَئِذٍ، وَسَبَبُ إِيمَانِ أَهْلِ الْكِتَابِ بِهِ حِينَئِذٍ ظَاهِرٌ، فَإِنَّهُ يَظْهَرُ لِكُلِّ أَحَدٍ أَنَّهُ رَسُولٌ مُؤَيَّدٌ لَيْسَ بِكَذَّابٍ وَلَا هُوَ رَبُّ الْعَالَمِينَ.
فَاللَّهُ تَعَالَى ذَكَرَ إِيمَانَهُمْ بِهِ إِذَا نَزَلَ إِلَى الْأَرْضِ، فَإِنَّهُ تَعَالَى لَمَّا ذَكَرَ رَفْعَهُ إِلَى اللَّهِ بِقَوْلِهِ: إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ [آل عمران: 55] وَهُوَ يَنْزِلُ إِلَى الْأَرْضِ قَبْلَ يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَيَمُوتُ حِينَئِذٍ أَخْبَرَ بِإِيمَانِهِمْ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ، كَمَا قَالَ تَعَالَى فِي آيَةٍ أُخْرَى:

إِنْ هُوَ إِلَّا عَبْدٌ أَنْعَمْنَا عَلَيْهِ وَجَعَلْنَاهُ مَثَلًا لِبَنِي إِسْرَائِيلَ * وَلَوْ نَشَاءُ لَجَعَلْنَا مِنْكُمْ مَلَائِكَةً فِي الْأَرْضِ يَخْلُفُونَ * وَإِنَّهُ لَعِلْمٌ لِلسَّاعَةِ فَلَا تَمْتَرُنَّ بِهَا وَاتَّبِعُونِ هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ * وَلَا يَصُدَّنَّكُمُ الشَّيْطَانُ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ * وَلَمَّا جَاءَ عِيسَى بِالْبَيِّنَاتِ قَالَ قَدْ جِئْتُكُمْ بِالْحِكْمَةِ وَلِأُبَيِّنَ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي تَخْتَلِفُونَ فِيهِ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ * إِنَّ اللَّهَ هُوَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ * فَاخْتَلَفَ الْأَحْزَابُ مِنْ بَيْنِهِمْ فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْ عَذَابِ يَوْمٍ أَلِيمٍ[الزخرف:59-65]
وَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ: (يُوشِكُ أَنْ يَنْزِلَ فِيكُمُ ابْنُ مَرْيَمَ حَكَمًا عَدْلًا، وَإِمَامًا مُقْسِطًا، فَيَكْسِرُ الصَّلِيبَ، وَيَقْتُلُ الْخِنْزِيرَ، وَيَضَعُ الْجِزْيَةَ).
الشيخ:
(يَكْسِرُ الصليبُ) هذا فيهِ الإنكارُ على النَّصارى، كَسْرُهُ للصليبِ يعني: بالإعلام بأنه باطلٌ وأنَّ مَنْ يَعبدُهُ أنه على دينٍ باطلٍ، وكذلك يَقْتُلُ الْخِنْزِيرَ الذي يَستَحِلُّهُ النَّصارى، وفي كلِّ ذلك إبطالٌ لِمَا هُم عليهِ عقيدةً وشريعةً.
 
القارئ: وَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ: (يُوشِكُ أَنْ يَنْزِلَ فِيكُمُ ابْنُ مَرْيَمَ حَكَمًا عَدْلًا، وَإِمَامًا مُقْسِطًا، فَيَكْسِرُ الصَّلِيبَ، وَيَقْتُلُ الْخِنْزِيرَ، وَيَضَعُ الْجِزْيَةَ).
الشيخ: (يَضَعُ الْجِزْيَةَ) يعني: لا يقبلُ الجزيةَ مِن أحدٍ، قالَ العلماءُ: وليسَ في هذا نَسخٌ لشريعةِ محمدٍ صلَّى الله عليهِ وسلَّمَ، بل إنَّ هذا، الرسولُ أخبرَ بأن حُكْمَ الجزيةِ مُوَقَّتٌ إلى نزولِ المسيحِ، يعني علمنا أنَّ شَرعيةَ أنَّ حكمَ الجزيةِ وأخذَ الجزيةِ مِن أهلِ الكتابِ أنه مُوَقَّتٌ بنزولِ المسيحِ.
 
القارئ: وَقَوْلُهُ تَعَالَى: وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلَّا اتِّبَاعَ الظَّنِّ وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينًا * بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا [النساء:158،157] بَيَانٌ أَنَّ اللَّهَ رَفَعَهُ حَيًّا وَسَلَّمَهُ مِنَ الْقَتْلِ، وَبَيَّنَ أَنَّهُمْ يُؤْمِنُونَ بِهِ قَبْلَ أَنْ يَمُوتَ.
وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ: وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَلَوْ مَاتَ لَمْ يَكُنْ فَرْقٌ بَيْنَهُ وَبَيْنَ غَيْرِهِ.
وَلَفْظُ التَّوَفِّي فِي لُغَةِ الْعَرَبِ مَعْنَاهُ: الِاسْتِيفَاءُ وَالْقَبْضُ، وَذَلِكَ ثَلَاثَةُ أَنْوَاعٍ:
أَحُدُهَا: تَوَفِّي النَّوْمِ، وَالثَّانِي: تَوَفِّي الْمَوْتِ، وَالثَّالِثُ: تَوَفِّي الرُّوحِ وَالْبَدَنِ جَمِيعًا

الشيخ: تَوفّيها يعني استيفاؤُهَا. يريد أنْ يجعلَ تَوَفِّي المسيحِ مِن هذا النوعِ، إنه تَوَفَّاهُ يعني: أخذَهُ ورفعَهُ روحاً وجسَداً.
 
القارئ: وَلَفْظُ التَّوَفِّي فِي لُغَةِ الْعَرَبِ مَعْنَاهُ: الِاسْتِيفَاءُ وَالْقَبْضُ، وَذَلِكَ ثَلَاثَةُ أَنْوَاعٍ: أَحُدُهَا: تَوَفِّي النَّوْمِ،
الشيخ: وهذا خاصٌّ بالروحِ، نوعٌ مِن التَّوَفِّي.
القارئ: وَالثَّانِي: تَوَفِّي الْمَوْتِ
الشيخ: وذلك بقبضِ الروحِ كليةً؛ لأنَّ الروحَ في حالِ النومِ لها تعلُّقٌ بالبدنِ لا تُفارقُهُ فِراقاً تاماً.
القارئ: وَالثَّالِثُ: تَوَفِّي الرُّوحِ وَالْبَدَنِ جَمِيعًا، فَإِنَّهُ بِذَلِكَ خَرَجَ عَنْ حَالِ أَهْلِ الْأَرْضِ الَّذِينَ يَحْتَاجُونَ إِلَى الْأَكْلِ وَالشُّرْبِ وَاللِّبَاسِ وَالنَّوْمِ، وَيَخْرُجُ مِنْهُمُ الْغَائِطُ وَالْبَوْلُ.
وَالْمَسِيحُ عَلَيْهِ السَّلَامُ تَوَفَّاهُ اللَّهُ وَهُوَ فِي السَّمَاءِ الثَّانِيَةِ إِلَى أَنْ يَنْزِلَ إِلَى الْأَرْضِ، لَيْسَتْ حَالُهُ كَحَالَةِ أَهْلِ الْأَرْضِ فِي الْأَكْلِ وَالشُّرْبِ وَاللِّبَاسِ وَالنَّوْمِ، وَالْغَائِطِ وَالْبَوْلِ، وَنَحْوِ ذَلِكَ.

الشيخ: صارَ لَهُ طبيعة، لَمَّا رفعَهُ اللهُ صارَ له طبيعةٌ تختلفُ عَن الطبيعةِ البشريةِ، بل إنَّهُ أصبحَ لَهُ شَبَهٌ بالملائكةِ.
القارئ: الْوَجْهُ الثَّالِث
الشيخ:
إلى هنا يا شيخ
القارئ: الله يُحسن إليك.
الشيخ: رحمه الله وغفر الله له.