بسمِ اللهِ الرّحمنِ الرّحيمِ
شرح رسالة (حراسة الفضيلة) للشيخ بكر بن عبدالله 
الدّرس الأربعون

***    ***    ***    ***

- القارئ: بسمِ اللهِ الرّحمنِ الرّحيمِ، الحمدُ لله، والصّلاة والسّلام على رسول الله نبيّنا محمد وعلى آلهِ وصحبهِ أجمعين، قال الشيخُ بكر بن عبد الله أبو زيد -رَحِمَنا الله وإيّاه- في كتابهِ "حِراسة الفضيلة":
أقول: وإذا أردت أنْ تعرفَ فضلَ الحجابِ وستر النساء وجوههنَّ عن الأجانبِ فانظر إلى حالِ المتحجّبات، ماذا يُحيطُ بِهنَّ مِنَ الحياء، والبُعْدِ عن مُزاحمة الرجالِ في الأسواقِ، والتصوّن التام عن الوقوعِ في الرذائل، أو أن تمتدَّ إليهنَّ نظراتُ فاجر؟ وإلى حالِ أوليائهن؟ ماذا لديهم مِن شرفِ النفس والحراسة لهذه الفضائلِ في المحارم!؟
وقارن هذا بحالِ المتبرّجة السّافرة عن وجهها التي تُقَلِّب وجهها في وجوهِ الرجال، وقد تساقطت منها هذه الفضائل بِقَدرِ ما لديها مِن سفورٍ وتهتّك، وقد ترى السّافرة الفاجرة تُحادثُ أجنبياً فاجراً تظنُّ مِن حالِهما أنّهما زوجان بعقدٍ أُشْهِد عليه أبو هريرة -رضي الله عنه- ولو رآها الديوث زوجها..
- الشيخ:
عجائب الشيخ، نعم..
- القارئ: ولو رآها الديوثُ زوجها وهي على هذه الحال، لما تحرّكت مِنهُ شعرة، لِموات غَيْرته، نعوذُ بالله مِنْ موت الغَيرة ومِنْ سوءِ المنقلب.
وأينَ هؤلاء الأزواج مِن أعرابي رأى مَن ينظرُ إلى زوجتهِ، فطلّقها غَيْرةً على المحارم، فلمّا عُوتبَ في ذلك، قال قصيدتهُ الهائية المشهورة، ومِنها:
وأتركُ حُبّها مِن غيرِ بغضٍ *** وذاكَ لِكَثْرة الشركاءِ فيهِ
إذا وقعَ الذبابُ على طعامٍ *** رفعتُ يدي ونَفْسي تَشْتهيهِ
وتجتنبُ الأسودَ ورودَ ماءٍ *** إذا رأتْ الكلابَ وَلَغنَ فيهِ
وأين هؤلاء الأزواج مِن عربية سقطَ نَصيفها -خمارها- عن وجهها، فالتقطتهُ بيدها، وغطَّت وجهها بيدها الأخرى، وفي ذلك قيل:
سَقَطَ النَّصِيفُ ولم ترد إسقاطه  ***  فتناولتهُ واتَّقَتْنا باليدِ
وأعلى مِن ذلك وأجل ما ذكرهُ الله سبحانهُ في قِصة ابنتي شيخ مدين: فَجَاءَتْهُ إِحْدَاهُمَا تَمْشِي عَلَى اسْتِحْيَاءٍ [القصص:25] فقد جاءَ عن عمر -رضي الله عنه- بسندٍ صحيح أنّهُ قال: جاءت تمشي على استحياء قَائِلَةً بثوبها على وجهها، لَيْسَت بِسَلْفَعٍ مِن النساء ولاّجةً خرَّاجة، والسلفع من النساء: الجريئة السليطة، كما في تفسير ابن كثير رحمهُ الله تعالى..
- الشيخ:
وما أكثر الجريئات اليوم، الله أكبر، التعليم سلبهنَّ فِطرة الحياء، التعليم العصري الغربي سلبهنَّ خُلُق الحياء، لا إله إلا الله كما قلت؛ لأنّها منذُ طُفولتها وهي قد تدرّبت على الذهاب والمجيء، والذهاب والمجيء ومُزاحمة الرجال، ومخاطبة الرجال، يعني لا تشعرُ بأيّ يعني حساسية مِن مُخاطبة الرجال لهن، وتعرضهم لهن، سُبحان الله، يعني الرجل الأجنبي -خصوصاً إذا كانت تعمل معهُ- أخوها، أخوها كأنّهُ أخوها، بل لعلّهُ كأنّه زوجها، كأنّهُ زوجها، لا حول ولا قوّة إلّا بالله، يا سلام سلِّم، يا سلام سلِّم.
 
- القارئ: وفي الآية أيضاً مِنَ الأدبِ والعِفّة والحياء، ما بلغَ ابنة الشيخ مبلغاً عجيباً في التحفّظ والتحرّز، إذْ قالت: إِنَّ أَبِي يَدْعُوكَ لِيَجْزِيَكَ أَجْرَ مَا سَقَيْتَ لَنَا [القصص:25] فجعلت الدّعوة على لسانِ الأبِ، ابتعاداً عن الرَّيب والرِّيبة. انتهى.
الفصل الثاني..
- الشيخ:
حسبك، الله المستعان. يعني قولهُ: "على استحياء" هذه الجملة المقصود يحصل، هذه جملة كمعترضة أو لبيانِ حالها، فَجَاءَتْهُ إِحْدَاهُمَا تَمْشِي عَلَى اسْتِحْيَاءٍ [القصص:25] هذه الجملة كُلّها جاءت لبيان هذا الخُلق الكريم في المرأة؛ تَمْشِي عَلَى اسْتِحْيَاءٍ المعنى الأصل "فجاءته فقالت: إنَّ أبي يدعوك" هذه الجملة فيها التّنويه بهذه الحال العظيمة اللائقة، الله أكبر، سُبحان الله، لا حول ولا قوة إلّا بالله، الله المستعان، حسبنا الله ونعم الوكيل، حسبنا الله.
ذكرَ بعضُ الكتّاب أنّهُ أوّل ما دخلَ الإفرنج مصر وأسّسوا فيها مدارس البنات، كانت المديرة نصرانية إنكليزية، وكانت تأمرُ البنات بالثيابِ والحجاب، لماذا تأمرون بذلك! حتى لا يكونَ هناك ردود فعل وامتناع، لا، حتى ينخرطن في التعليم وتتحبّب إليهن، أنّها تأمرهن بالحياء، وتأمرهنَّ بالاحتشام والثياب، بعدَ ذلك تلجأ لخطواتٍ أخرى حتى تَعرّينَ.