السؤال : المتدبِّرُ لقصص الأنبياءِ وأممهم في القرآن يُلاحظُ أنَّ الله ذكرَ عاقبةَ أكثر أقوام الأنبياء الـمُهلكين وما أهلكهم اللهُ به، كقومِ نوح وهود وصالح ولوط وشعيب، ولم تُذكَر عاقبةُ قومِ إبراهيم عليه السَّلام وعلى سائر الأنبياء، فيسألُ: فما السّرُّ في هذا؟

 

الجواب : الحمدُ لله، وصلَّى الله وسلَّم على محمَّد، أمَّا بعد :

فلم يعرضْ كثيرٌ مِن المفسِّرين لمضمون هذا السؤال والجواب عنه في ما رأينا، إلَّا ابن عاشور رحمه الله؛ فإنَّه ذكرَ في قصَّة إبراهيم في سورة الأنبياء عند قوله تعالى: وَأَرادُوا بِهِ كَيْداً فَجَعَلْناهُمُ الْأَخْسَرِينَ [ الأنبياء:70] ذكرَ أنَّ الله لم يذكرْ ما عاقب به قومَ إبراهيم كما في سائر أقوام الرسل، إلَّا أنَّ الله ذكرَ أخذَه لهم مجمَلًا، كما في آية الحج في قوله:  فَأَمْلَيْتُ لِلْكافِرِينَ ثُمَّ أَخَذْتُهُمْ فَكَيْفَ كانَ نَكِير [الحج:44]، قال: "ولم أرَ مَن فسَّرَ ذلك الأخْذَ بوجهٍ مقبول، والظَّاهرُ أنَّ الله سلَّطَ عليهم الآشوريين فأخذوا بلادهم، وانقرضَ ملكُهم وخلفهم الأشوريون" اهـ، مِن "التَّحرير والتَّنوير" (17/107 ط. التونسية).

وقد أحسنَ ابنُ عاشور -رحمه الله- في تعرّضه لهذه المسألة، ولكنَّه لم يتعرَّض لسرِّ الفرق بين قوم إبراهيم وغيره مِن الرّسل، وقد عرضَ لهذا المعنى شيخُ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله- في "كتاب النبوات" (1/211 ط. أضواء السلف)، فذكرَ ما معناه أنَّ إبراهيم -عليه السلام- أشبه بنبيّنا محمَّد -صلى الله عليه وسلَّم- في الرَّأفة والرَّحمة فهما الخليلان، وقد رفعَ الله عن هذه الأمَّة عذاب الاستئصال، إكرامًا لنبيِّها صلَّى الله عليه وسلَّم، وهذا ما كانَ لقوم إبراهيم للشَّبه الذي بين النَّبيِّين والخليلين.

وذكرَ شيخُ الإسلام أيضًا وجهين آخرين في صرفِ عذاب الاستئصال عن قوم إبراهيم:

أحدهما: أنَّه لم يُقِمْ بين ظهرانَيهم، بل هاجرَ وتركهم، ولم يكونوا هم الذين أخرجوه، وغيرُه مِن الرُّسل أقاموا في أقوامهم حتى جاءَ أمرُ الله بإهلاكهم، فنجَّاهم الله، وأهلك أقوامهم، وهم ينظرون.

الثَّاني: أنَّ قومَ إبراهيم لم يفعلوا ما يستوجبون به العذاب، وإن كادوه بإلقائه في النَّار فقد نجَّاه الله، ولم يبلغوا ما أرادوه مِن إحراقه، وذكرَ شيخُ الإسلام أنَّ عذابَ الكفار في الدُّنيا ليس هو الجزاء التَّام الذي يستحقّونه، بل هذا مدَّخرٌ ليوم القيامة، وإنَّما الذي يكون في الدنيا ما تحصل به المصلحة كالعقوبات الشَّرعية [1]. والله أعلم.

 

أملاه :

عبدالرَّحمن بن ناصر البرَّاك

في 14 صفر 1441 هـ

 

[1] -ينظر: النبوات (1/209-210)