السؤال : البصلُ والثوم، فإنَّ الملائكة تتأذَّى مما يتأذَّى منه بنو آدم؛ هل كلُّ الملائكةِ تتأذَّى أم ملائكةُ المساجد فقط أم ماذا؟ وهل يؤجرُ المسلمُ إذا احتسبَ عدم أكلِ البصلِ أو الثُّوم حتى في منزله مراعاةً للملائكة الذين عنده ومعه ؟
 

الجواب : الحمدُ لله، والصَّلاة والسَّلام على رسول الله؛ أمَّا بعد :
معلومٌ أنَّ الأحاديثَ الواردة فيما يتعلَّقُ بالبصلِ والثُّومِ والكرَّاث نصّ في أمرِ مَن أكلَ شيئًا منها باعتزالِ المسجد، واعتزالِ مجامعِ المسلمين ذات الحرمة الشَّرعيَّة؛ كمجالسِ العلم لقولِه -صلَّى الله عليه وسلَّم-:
(فَلْيعتزِلْنَا وليعتَزِلْ مسجِدَنا)، فقوله (وليعتزلْ مسجدَنا): مِن عطف الخاصّ على العام، وفي معناه: (فلا يقربَنَّ مَسجِدَنا)، فدلَّ اللفظان على وجوبِ الاعتزالِ وتحريمِ القربان.
وقولُه -صلَّى الله عليه وسلَّم-:
(فَإِنَّ الْمَلاَئِكَةَ تَتَأَذَّى مِمَّا يَتَأَذَّى مِنْهُ بَنُو آدَمَ) ظاهرُ الدَّلالة على تعليلِ الحكمِ بذلك، فعمَّ الملائكة بوصفِ التَّأذِّي، فيعمُّ روَّادَ المساجدِ منهم ومجالسَ العلمِ، ويعمُّ الملائكة الموكلين بالإنسان، وعلى هذا؛ فقد يُستفاد مِن ذلك كراهةُ أكلِ هذه البقول مطلقًا؛ رعايةً للملائكة الموكلين بالإنسان، وأمَّا مَن يريدُ دخولَ المسجد وحضورَ مجالسِ العلم: فيحرمُ عليه أكلها للتَّصريح بالأمر بالاعتزال والنَّهي عن القربان. ويخصُّ مِن الإثم بأكلها مَن أكلها ناسيًا أو لحاجة كالتَّداوي.
هذا ولم أقف على مَن تعرَّض لهذه المسألة؛ أعني: ترك أكل هذه البقول مِن أجل الملائكة الموكلين بالإنسان، فكلامُ العلماءِ محصورٌ في حكمِ دخول مَن أكلَها المساجد ونحوها، وحكم أكلها؛ قال النَّووي -رحمه الله- في شرح صحيح مسلم: "ثمَّ إنَّ هذا النَّهي إنَّما هو عن حضورِ المسجد، لا عن أكلِ الثُّومِ والبصلِ ونحوهما، فهذه البقولُ حلالٌ بإجماع مَن يعتدُّ به، وحكى القاضي عياض عن أهلِ الظَّاهر تحريمها لأنَّها تمنعُ عن حضور الجماعة، وهي عندهم فرضُ عينٍ".
وتقدَّم أنَّ عموم العلّة يقتضي كراهة أكلها مطلقًا؛ إكرامًا للملائكة الموكلين بالإنسان بتركِ ما يتأذّون به، وفي حديث النَّهي عن التَّعرّي:
(إنَّ معكم مَن لا يُفارقُكُم إلَّا في حالين، فاستحْيُوهُم وأكْرِمُوهًم)، وقد وصفهم الله بأنَّهم كرامٌ في قوله: وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ * كِرَامًا كَاتِبِينَ [الإنفطار:10-11]، وحقُّ الكريمِ أن يُكرم.
وكذلك ممَّا ينبغي إكرامُ الملائكة به: إبعادُ الصُّور المحرَّمة والكلاب عن البيوت؛ لقوله -صلَّى الله عليه وسلَّم-:
(لا تدخلُ الملائكةُ بيتًا فيهِ كلبٌ ولا صورةٌ)، ويخصُّ مِن ذلك ما رخَّص في اقتنائه، وفي هذا الحكم قال النَّووي: "وأمَّا هؤلاء الملائكة الذين لا يدخلونَ بيتًا فيه كلبٌ أو صورةٌ فهم ملائكةٌ يطوفون بالرَّحمة والتَّبريكِ والاستغفارِ، وأمَّا الحفظةُ فيدخلونَ في كلِّ بيتٍ، ولا يفارقون بني آدم في كلِّ حالٍ، لأنَّهم مأمورون بإحصاءِ أعمالهم وكتابتها".
ولم يتعرَّض النَّووي للملائكة الموكلين بالإنسان في حكمِ مَن أكلَ بصلًا أو ثومًا أو كرَّاثًا، لكن قياس قوله يقتضي أنَّ مَن أكلَ مِن هذه البقول لا تفارقه الملائكةُ الموكلون به مفارقةً تمنعُ مِن القيامِ بِمَا وكّلوا به، وهذا لا ينفي أن يبعدوا منه للتَّأذي برائحته، وتقدَّم أنَّ هذا يقتضي كراهةَ الأكل مِن هذه البقول، فيتركها المسلمُ إكرامًا لهؤلاء الملائكة الكرام، والله أعلم .
 
قال ذلك:
عبدالرَّحمن بن ناصر البرَّاك
حرر في يوم الأحد الموافق 14 جمادى الأولى 1440 هـ