بسمِ اللهِ الرّحمنِ الرّحيمِ
شرح (رسالة ابن القيّم إلى أحد إخوانه)
الدّرس الثّاني عشر

***    ***    ***    ***
 
- القارئ: بسمِ اللهِ الرّحمنِ الرّحيم، الحمدُ لله ربِّ العالمين، والصّلاةُ والسَّلامُ على نبيّنا محمّدٍ وعلى آلهِ وصحبهِ أجمعين. قالَ ابنُ القيّم -رحمهُ اللهُ تعالى- في رسالتِه إلى أحدِ إخوانه:
المشهدُ الثَّالِثُ؛ مشْهدُ الْمُتَابَعَةِ والاقتداءِ: وَهُوَ أَنْ يَحرصَ كلَّ الحِرْصِ على الِاقْتِدَاءِ فِي صلَاتِه بِالنَّبِيِّ صلّى اللهُ عَلَيْهِ وَسلّم.
- الشيخ:
المشهدُ الأوّلُ مشهد الإخلاص؟ ولّا ايش [أو ماذا]؟
- القارئ: الأولُ: الإخلاص، والثاني: الصّدقُ والنُّصحُ
- الشيخ:
وهذا الثالث أجل [إذًا]؟
- القارئ: أي نعم.
وَيُصلّي كَمَا كَانَ يُصَلِّي -صلّى الله عليه وسلّم- ويُعرضُ عَمَّا أحدثَ النَّاسُ فِي الصَّلَاةِ من الزِّيَادَةِ وَالنُّقْصَانِ، والأوضاعِ الَّتِي لم يُنْقل عَن رَسُولِ اللهِ -صلّى الله عَلَيْهِ وَسلّم- شَيءٌ مِنهَا، وَلَا عَن أحدٍ من أصحابِه وَلَا يَقِفُ عِنْدَ أَقْوَالِ المرخِّصين الَّذين يَقِفونَ مَعَ أقل مَا يَعْتَقِدُونَ وُجُوبَه. وَيكونُ غَيرُهُم قد نازَعَهم فِي ذَلِك وَأوجبَ مَا أسقطوه، وَلَعَلَّ الْأَحَادِيثَ الثَّابِتَةَ وَالسّنّةَ النَّبَوِيَّةَ من جَانِبه وَلَا يلتفتونَ إِلَى ذَلِك، وَيَقُولُونَ نَحن مُقلِّدون لمَذْهَبِ فلَانٍ، وَهَذَا لَا يُخَلِّصُ.
- الشيخ:
نعم لا يخلِّصُهُم أو لا يخلِّصه
- القارئ: وَهَذَا لَا يخلِّصُ عِنْدَ اللهِ وَلَا يكونُ عذراً لمن تخلَّفَ عَمَّا علمَهُ من السّنةِ عِنْدَه، فَإِنّ الله سُبْحَانَهُ إِنَّمَا أَمرَ بِطَاعَةِ رَسُولِه -صلّى الله عليه وسلم- واتّباعِه وَحدَه وَلم يَأْمر
- الشيخ:
كأنّ الشيخَ يُشيرُ إلى بعضِ ما يقولُ به الحنفيّةُ من عدمِ وجوبِ الاعتدالِ من الرّكوعِ أو من السّجودِ، بل يرفعُ ثمّ يهوي دونَ أنْ يَعتدِلَ صُلبُه، وكذلك في الجلوسِ بين السّجدتين يرفعُ ثمّ يرجعُ ويعُدُّها سجدتين.
 
- القارئ: أحسنَ الله إليكم، وَلم يُؤمَر بِاتِّبَاعِ غَيرِه، وَإِنَّمَا يُطاعُ غَيرُه إِذا أَمرَ بِمَا أَمرَ بِهِ الرَّسُولُ صلّى الله عليه وسلّم، وكلُّ أحدٍ سِوَى الرَّسُولِ -صلّى الله عَلَيْهِ وَسلّم- فمأخوذٌ من قَولِهِ ومتروكٌ.
وَقد أقسمَ اللهُ سُبْحَانَهُ بِنَفسِهِ الْكَرِيمَةِ أَنَّا لَا نؤمنُ حَتَّى نُحَكِّمَ الرَّسُولَ فِيمَا شَجَرَ بَيْننَا وننقادَ لحُكمِه ونُسلِّمَ تسليما، فَلَا ينفعُنا تحكيمُ غَيرِه والانقيادُ لَهُ، وَلَا يُنجِّينا من عَذَابِ اللهِ، وَلَا يُقبلُ منَّا هَذَا الجَوابُ إِذا سمعنَا نداءَه سُبْحَانَهُ يَوْمَ الْقِيَامَة فَيَقُولُ مَاذَآ أُجِبۡتُمۡۖ [القصص:65]، فَإِنَّهُ لَابُدَّ أَن يسألَنا عَن ذَلِك ويطالبَنا بِالْجَوَابِ، قَالَ تَعَالَى: فَلَنَسْأَلَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ وَلَنَسْأَلَنَّ الْمُرْسَلِينَ[الأعراف:6]، وَقَالَ النَّبِيُّ صلّى الله عَلَيْهِ وَسلم:
(أُوحِي إِلَيَّ أَنَّكُمْ بِي تُفتَنون وعني تُسْأَلُون)- يَعْنِي الْمَسْأَلَة فِي الْقَبْر-، فَمن انْتَهَت إِلَيْهِ سنّةُ رَسُولِ اللهِ صلّى الله عَلَيْهِ وَسلّم وَتركَهَا لقَوْلِ أحدٍ من النَّاس فسيُرَدُّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَعلم.
فصل: المشهدُ الرَّابِعُ:
- الشيخ:
اللهُ المُستعان، لا حول ولا قوّةَ إلّا بالله، لاشكَّ أنّ هذا الأصلَ الثّالثَ أصلٌ في جميعِ أمورِ الدِّين، في الصّلاةِ والصّيامِ والحَجِّ في جميع، وكلُّ هذا أحدُ الشّرطين لِصحّةِ أيِّ عملٍ، أحدُهما: الإخلاصُ، والثاني: المتابَعَةُ، متابعةُ الرّسولِ، أنْ يكونَ العملُ موافقاً لما جاء به الرّسولُ وبيّنه وبقولِه وبفعلِه.
فالمطلوبُ مِن العبدِ أن يصلّي كما صلّى الرّسولُ ويحجَّ كما حجَّ، ويذكرُ ربَّه ويُثنِي عليه كما صحَّ عن الرّسولِ -عليه الصّلاةُ والسّلامُ-، ويؤدِّي الواجباتِ على وِفقِ ما دَلَّت عليه سُنّةُ رسولِ اللهِ -صلّى الله عليه وسلّم-، فتكونُ الأعمالُ كلّها جاريةٌ على وِفقِ هديِه، وخيرُ الهدي هديُ محمّدٍ -صلّى الله عليه وسلّم-.
فالإخلاصُ في العملِ بأنْ يكونَ لوجهِ اللهِ: هذا مُوجَبُ شهادةِ "أن لا إلهَ إلّا الله"، وكونُ العملِ يُراعى فيه موافقةُ سنّةِ الرّسولِ -عليه الصّلاةُ والسّلامُ- فهذا مُوجَبُ شهادةِ "أنَّ محمدًا رسولُ الله"، فلابدَّ أنْ يتحقّقَ مُقتضَى الشّهادتين في كلِّ عملٍ، لابدَّ أنْ يتحقّقَ مُقتضَى الشّهادتين، فمُقتضَى لا إله إلّا الله الإخلاصُ، ومُقتضَى محمدٌ رسولُ الله المُتابعةُ والاقتداءُ بهِ -عليه الصّلاةُ والسّلامُ-، إلى هنا يا عمر.
- القارئ: أحسنَ الله إليك.