السؤال : يتداولُ النَّاسُ هذه الأيام بيتين منسوبين لحسَّان بن ثابت رضي الله عنه، وهما:

وَأَحْسَنُ مِنْكَ لَمْ تَرَ قَطُّ عَيني    وَأَجمَلُ مِنْكَ لَمْ تَلِدِ النِّسَاءُ

خُلِقْتَ مُبَرَّءًا مِن كُلِّ عَيْبٍ      كَأنَّكَ قَد خُلِقْتَ كَمَا تَشَاءُ

فهل الشّعرُ صحيحُ النّسبة إلى حسان، وهل مضمونهما صحيحٌ لا غبار عليه؟

 

الجواب : الحمدُ لله وحده، وصلَّى الله وسلَّم على محمد، أما بعد:

فقد ذكرَ مُحقِّقُ ديوان حسان بن ثابت الدكتور "سيد حنفي حسنين" أنَّ البيتين المذكورين لم يردا في النسخة الأم، وهي المخطوطة الأصليَّة للديوان، ولهذا جعلهما في ملحقات الديوان "ص371 - طبع الهيئة المصرية العامة للكتاب" [1] ، ولا إشكال في البيت الأول، وأمَّا قوله في البيت الثاني "خُلِقْتَ مُبَرَّءًا مِن كلِّ عَيبٍ": فلا ريبَ أنَّه -صلَّى الله عليه وسلَّم- مبرَّؤٌ مِن كلِّ عيبٍ يُعاب به الإنسانُ مِن العيوب الخَلقية أو الخُلُقية، وأما اللوازم البشريَّة -كالخوف الطَّبيعي وقضاء الحاجة- أو العوارض البشريَّة -كالمرض والجوع والظَّمأ-: فلا يُبرَّؤ النَّبيُّ -صلَّى الله عليه وسلم- منها؛ لأنَّه بشرٌ؛ لكنَّ الله خصَّه بالوحي، قال تعالى: قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ [الكهف:110].

أما قوله في البيت الثاني "كَأنَّكَ قَد خُلِقْتَ كَمَا تَشَاءُ": فهو ضربٌ مِن المبالغة المقبولة؛ لأنَّه ذكر المعنى على وجه التَّشبيه، فقال: (كأنَّك)؛ ولم يقل: "فقد خُلِقتَ كما تَشاءُ".

هذا ومَدْحُ الله لنبيّه -صلَّى الله عليه وسلَّم- وثناؤه عليه فوق مدح المادحين وثنائهم؛ إذ قال تعالى: وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ [القلم:4]، وقال: لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ [التوبة:128]. 

والآيات الدَّالة على فضله -صلَّى الله عليه وسلَّم- وعلوِّ منزلته عند ربّه كثيرة؛ فهو -عليه الصَّلاة والسَّلام- حقيقٌ بالمدح اللائق بمنزلته وبشريَّته صلَّى الله عليه وسلَّم، لكن يجبُ الحذر مِن إطرائه، وهو مجاوزة الحدِّ في مدحه صلَّى الله عليه وسلَّم؛ لقوله عليه الصَّلاة والسَّلام: «لَا تُطْرُونِي، كما أَطْرَتِ النَّصَارَى ابْنَ مَرْيَمَ، فإنَّما أَنَا عَبْدُهُ، فَقُولوا: عبدُ اللَّهِ، وَرَسُولُهُ» رواه البخاري عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه [2] ، والله أعلم.

 

أملاه :

عبد الرَّحمن بن ناصر البرَّاك

حرر في 24 ربيع الأول 1442

 

[1]- وكذا ذكرهما المحقق الدكتور وليد عرفات في قسم "زيادات من غير مخطوطات الديوان". ينظر: ديوان حسان بن ثابت -طبعة صادر-(1/441 القصيدة رقم 265).

[2] - البخاري (3445).