السؤال : سؤال الأموات عن قرب فيما يقدرون عليه، وهم أحياء، فظاهر كلام ابن تيمية في "التَّوسل والوسيلة" أنَّه بدعة، وليس شركًا أكبر، بينما ظاهر إطلاقه في "اقتضاء الصراط المستقيم" أنَّه شرك أكبر، كما هو قول أئمة الدعوة، فما تحرير قول ابن تيمية في المسألة، وما صحة بناء الباحثين ذلك على مسألة سماع الأموات، وما رأي فضيلتكم فيها؟ وفي مسألة سماع الأموات؟

 

الجواب : الحمدُ لله، وصلى الله وسلَّم على محمَّد، أما بعد:

فهذه مسألة عظيمة، والخلاف فيها مِن اختلاف التَّضاد، ولابد مِن مقدمة قبل الجواب، فأقول: إنَّ القبورية التي هي تعظيم القبور -وهي طريقة القبوريين- تتضمَّن أنواعًا مختلفة الأحكام؛ منها ما هو شرك أكبر، ومنها ما هو بدعة ووسيلة إلى الشرك؛ فمنها ما هو شرك أكبر كدعاء الأموات، لقضاء الحاجات والاستغاثة بهم في الشَّدائد والكربات، ومنها ما هو بدعة ووسيلة إلى الشرك؛ كالصَّلاة والذَّبح لله عند القبور، وتحرِّي الدعاء عندها؛ لأنَّها عند الداعي مظنَّة الإجابة؛ فإنَّ الشَّيطان ينتقل بهم من دعاء الله عند القبور إلى دعاء أصحاب القبور، والصَّلاة لهم والذبح لهم.

إذا تقرَّر هذا فنقول: هذا الذي يسأل الميت الدعاء بناءً على اعتقاده أنه يسمع ويدعو، فإذا كان الأموات لا يسمعون، كما هو ظاهر القرآن إلا ما خصَّه الدليل من السُّنَّة، كسَلام المسلِّم عليهم،[1] وسماع قرع نعال المشيعين إذا انصرفوا،[2] فعلى هذا يكون سائل الدعاء من الميت قد أخطأ مِن وجهين: من جهة اعتقاده أن الميت يسمع سؤاله، ومن جهة اعتقاده أن الميت يدعو في قبره إذا سُئل الدعاء، وعليه: فما فعله هذا الجاهل من سؤال الميت الدعاء بدعةٌ لا أصل لها في الشرع، وهو وسيلة قريبة إلى عبادة الميِّت ببعض أنواع العبادة، فيؤول أمره إلى الشرك بالله.

هذا مضمون كلام ابن تيمية[3] الذي استنكره مَن استنكره مِن العلماء، وإذا قُدِّر أن شيخ الإسلام أطلق اسم الشرك على فعل سائل الميت الدعاء، فلعلَّه من إطلاق اسم الشرك على ما هو وسيلة إليه؛ فإنَّ من ضوابط الشرك الأصغر عند بعض العلماء ما كان وسيلة إلى الشرك الأكبر، أو سمِّي شركا في بعض النصوص، ولم يبلغ حدَّ الشرك، كالحلف بغير الله، ويسير الرياء،[4] والذي يظهر لي وأقول به: إنَّ الأموات لا يسمعون إلا ما دلَّ الدليل على سماعهم له،[5] وإنَّ سؤال الميتِ الدعاءَ بدعةٌ لا شرك أكبر، فإذا أضاف الجاهل إلى سؤال الميتِ الدعاءَ نوعًا من أنواع العبادة كالصَّلاة للميت والذبح له فقد عبده، وصار من الذين قال الله فيهم: وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلَاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ [يونس:18].

 أمَّا مجرد سؤال الميتِ الدعاءَ فلا يصير به السائل مشركًا، بل مبتدعا ضالًّا، وفعله حرام ووسيلة إلى الشرك، هذا، والله أعلم بالصواب، وهو الهادي إلى سبيل الرشاد.

 

أملاه :

عبدالرَّحمن بن ناصر البرَّاك

في 11 ذي القعدة 1442 هـ

 

[1] -أخرجه مسلم (974)، (975) عن عائشة وبريدة رضي الله عنهما.

[2] -أخرجه البخاري (1338)، ومسلم (2870) عن أنس رضي الله عنه.

[3] - التوسل والوسيلة (ص26-27)، (ص289)، (ص292)، (ص316-317) وينظر أيضا: اقتضاء الصراط المستقيم (2/224)، ومجموع الفتاوى (27/72) وما بعدها

[4] - ينظر: القول السديد في مقاصد التوحيد للسعدي (ص54).

[5] - للاستزادة ينظر: الآيات البينات في عدم سماع الأموات للآلوسي.