السؤال : زيارة قبر النبي -صلى الله عليه وسلم- في العصر الحاضر، وهو محاط بجدران، هل تشرع في هذه الحال، أو تعتبر متعذرة، كما هو ظاهر كلام ابن تيمية رحمه الله، فلا تشرع؟ وإذا كانت لا تشرع، فكيف يؤوَّل ما ذكره الفقهاء من مشروعية زيارته قبره -صلى الله عليه وسلم-؟

 

الجواب : الحمد لله، وصلى الله وسلم على محمد، أما بعد:

فمن المتقرر عند المحقِّقين من المحدِّثين أنَّ كلَّ حديث في زيارة قبر النبي -صلى الله عليه وسلم- فهو ضعيف أو موضوع،[1] كحديث: «مَن زارني بعد مماتي فكأنَّما زارني في حياتي»،[2] وحديث: «مَن حجَّ ولم يزرني فقد جفاني»،[3] وأن الأصل في زيارة قبر النبي -صلى الله عليه وسلم- هو الأدلة العامة في زيارة القبور، فليس له دليل خاص إلا ما جاء عن ابن عمر -رضي الله عنهما- من أنه كان يزور قبر النبي -صلى الله عليه وسلم- إذا أراد سفرٍا أو قَدِم من سفرٍ.[4]

وزيارة القبور إنما تكون بالوصول إليها والوقوف عليها، لا من وراء أسوار المقابر؛ فإنَّ السلام على الموتى من وراء الأسوار كالسلام عليهم في الأقطار، كما في التشهد: «السَّلامُ علينا وعلى عبادِ الله الصَّالحين»،[5] ولعلَّ هذا هو الذي حملَ شيخ الإسلام ابن تيمية على أن يقول: إن زيارة قبر النبي -صلى الله عليه وسلم- متعذرة؛ لما أُحدِث من الجدران المحيطة بحجرة عائشة،[6] فإن الوقوف من وراء الجدران لا يتحقق به معنى الزيارة، وعندي أن ما ذهب إليه شيخ الإسلام ابن تيمية جيِّدٌ في النظر والأثر؛ فإنَّ ابن عمر كان يدخل حجرة عائشة للسَّلام.

وقول الشيخ الإمام محمد بن عبد الوهاب -رحمه الله- في "كتاب التوحيد": "إن زيارة قبر النبي -صلى الله عليه وسلم- من أفضل الأعمال"[7] عندي فيه نظرٌ وتوقُّف؛ إذْ لم يصح في خصوص زيارة قبره -صلى الله عليه وسلم- ترغيبٌ، كما تقدَّم، غاية الأمر أن الزيارة جائزة ومشروعة كزيارة سائر قبور المؤمنين، والآن هي متعذرة، كما ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله.

وما ذكره الفقهاء من مشروعية زيارة قبر النبي -صلى الله عليه وسلم-، أصله الأدلة العامة لزيارة القبور كما تقدم. والله أعلم.

 

أملاه:

عبدالرَّحمن بن ناصر البرَّاك

حرر في 23 المحرم 1443 هـ

 


[1] ينظر: الإخنائية (ص144)، وقاعدة عظيمة في الفرق بين عبادات أهل الإسلام والإيمان وعبادات أهل الشرك والنفاق (ص81).

[2] أخرجه بنحوه الطبراني في الكبير (12/406 رقم 13496)، والدارقطني (2693)، والبيهقي في السنن (10369) قال ابن عبد الهادي في الصارم المنكي-ت المطيري- (ص62): " حديث منكر المتن، ساقط الإسناد، لم يصححه أحد من الحفاظ " وقال الألباني في الضعيفة (47): "موضوع".

[3] أخرجه ابن عدي في الكامل (8/248) وابن الجوزي في الموضوعات-ط أضواء السلف- (1168)، وأورده الصغاني في الموضوعات (52) وقال ابن عبد الهادي في الصارم المنكي (ص87) " منكر جداً لا أصل له، بل هو من المكذوبات والموضوعات..."

[4] أخرجه مالك في الموطأ -برواية محمد بن الحسن الشيباني- (948)، وابن أبي شيبة في المصنف-ت عوامة- (11915).

[5] أخرجه البخاري (831)، ومسلم (402) عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه. وينظر: نظم المتناثر (رقم76).

[6] ينظر: الإخنائية (ص232)، (ص284)، وقاعدة عظيمة في الفرق بين عبادات أهل الإسلام والإيمان وعبادات أهل الشرك والنفاق (ص66)، (ص93)، (ص103).

[7] كتاب التوحيد -ط مكتبة أهل الأثر- (ص205).