بسمِ اللهِ الرَّحمنِ الرَّحيمِ
التَّعليق على كتاب (تحفة المودود في أحكام المولود) للإمام ابن القيّم
الدّرس الحادي والأربعون

***    ***    ***    ***

 
- القارئ: بسمِ اللهِ الرحمنِ الرحيمِ، الحمدُ للهِ ربِّ العالمينَ، والصلاةُ والسلامُ على أشرفِ الأنبياءِ والمرسلينَ، اللهمَّ اغفرْ لشيخِنا وللحاضرينَ والمستمعينَ، قالَ الإمامُ ابنُ القيِّمِ -رحمه الله تعالى- في كتابِه "تحفةُ المودودُ بأحكامِ المولودِ":
الْفَصْلُ الْخَامِسُ فِي وَقتِ وُجُوبِهِ
وَوَقتُهُ عِنْدَ الْبلُوغِ؛ لِأَنَّهُ وَقتُ وجوبِ الْعِبَادَاتِ عَلَيْهِ وَلَا يجبُ قبلَ ذَلِكَ

- الشيخ: لكنَّهُ جائزٌ، الختانُ قبلَ ذلكَ جائزٌ، ولهذا كانوا قديماً ما يَختِنونَ إلا في رحال المراهقةِ إذا كادَ أن يبلغَ، واستحسنَ الناسُ أخيراً أن يَختِنوهُ صغيراً؛ لأنَّ ذلكَ أهونُ على الصبيِّ من ناحيةِ الجَرحِ ومن ناحيةِ النفسيّة، فهو يقولُ: وَقتُ وجوبٍ عِنْدَ الْبلُوغِ؛ لأنَّ البلوغَ هو وقتُ التكليفِ.
 

- القارئ: وَفِي صَحِيحِ البُخَارِيِّ مِنْ حَدِيثِ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، قَالَ: سُئِلَ ابْنُ عَبَّاسٍ -رَضِي الله عَنْهُمَا-: مِثْلُ مَنْ أَنْتَ حِينَ قُبِضَ النَّبِيُّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-؟ قَالَ: "أَنَا يَوْمَئِذٍ مَخْتُونٌ وَكَانُوا لاَ يَخْتِنُونَ الرَّجُلَ حَتَّى يُدْرِكَ"
وَقدِ اخْتُلِفَ فِي سِنِّ ابْنِ عَبَّاسٍ عِنْدَ وَفَاةِ النَّبِيِّ -صلى الله عَلَيْهِ وَسلم- فَقَالَ الزبيرُ والواقديُّ وُلِدَ فِي الشِّعْبِ قبلَ خُرُوجِ بني هَاشمٍ مِنْهُ قبلَ الْهِجْرَةِ بِثَلَاثِ سِنِينَ، وَتُوفِّي رَسُولُ اللهِ -صلى الله عَلَيْهِ وَسلم- وَلَهُ ثَلَاثَ عشرَةَ سنةً.
وَقَالَ سعيدُ بنُ جُبَيرٍ: عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: تُوفّي رَسُولُ الله -صلى الله عَلَيْهِ وَسلم- وَأَنا ابْنُ عشرِ سِنِينَ، وَقدْ قَرَأتُ الْمُحْكَمَ -يَعْنِي الْمُفَصَّلَ-
قَالَ أَبُو عمر: ثمَّ روينَا ذَلِكَ عَنهُ مِن وُجُوهٍ، قَالَ: وَقدْ رُوِيَ عَن أبي إِسْحَاقَ عَنْ سعيدِ بن جُبَيرٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاس: "قُبِضَ رَسُولُ اللهِ -صلى الله عَلَيْهِ وَسلم- وَأَنا خَتِيْنٌ أَوْ مختونٌ" وَلَا يَصِحُّ، قلتُ
- طالب: قولُهُ: "وقد قرأتُ المحكمَ" يعني: حفظْتُ المحكمَ؟

- الشيخ: هو الظاهرُ، الْمُفَصَّلَ.
 

- القارئ: قلتُ: بلْ هُوَ أصحُّ شَيْءٍ فِي الْبَابِ، وَهُوَ الَّذِي رَوَاهُ البُخَارِيُّ فِي صَحِيحِهِ كَمَا تقدَّمَ لَفظُهُ. وَقَالَ عبدُ اللهِ ابْنُ الإِمَامِ أَحْمد: حَدَّثنَا أبي: حَدَّثنَا سُلَيْمَانُ بنُ دَاوُدَ: حَدَّثنَا شُعْبَةُ: عَنْ أبي إِسْحَاقَ قَالَ: سَمِعتُ سعيدَ بنَ جُبَيرٍ يُحدِّثُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: توفّيَ رَسُولُ اللهِ -صلى الله عَلَيْهِ وَسلم- وَأَنا ابْنُ خمسَ عشرَةَ سنةً، قَالَ عبدُ اللهِ قَالَ أبي: وَهَذَا هُوَ الصَّوَابُ.
قلتُ: وَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنهُ قَالَ: أَقْبَلْتُ رَاكِبًا عَلَى أَتَانٍ وَأَنَا يَوْمَئِذٍ قَدْ نَاهَزْتُ الِاحْتِلَامَ وَرَسُولُ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- يُصَلِّي بِالنَّاسِ بِمِنًى إِلَى غيرِ جِدَارٍ، فَمَرَرْتُ بَيْنَ يَدَيِ بعض الصَّفِّ... الحَدِيث، وَالَّذِي عَلَيْهِ أَكثرُ أهلِ السِّيَرِ وَالْأَخْبَارِ أَنَّ سِنَّهُ كَانَ يَوْمَ وَفَاةِ النَّبِيِّ -صلى الله عَلَيْهِ وَسلم- ثَلَاثَ عشرَةَ سنةً؛ فَإِنَّهُ وُلِدَ فِي الشِّعْبِ، وَكَانَ قبلَ الْهِجْرَةِ بِثَلَاثِ سِنِينَ، وَأقَامَ رَسُولُ اللهِ -صلى الله عَلَيْهِ وَسلم- بِالْمَدِينَةِ عشراً، وَقدْ أخبرَ أَنَّهُ كَانَ يَوْمئِذٍ مَختوناً.
قَالُوا: وَلَا يجبُ الْخِتَانُ قبلَ الْبلُوغِ؛ لِأَنَّ الصَّبِيَّ لَيْسَ أَهلاً لوُجُوبِ الْعِبَادَاتِ الْمُتَعَلّقَةِ بالأبدانِ، فَمَا الظَّنُّ بِالْجَرْحِ الَّذِي وردَ التَّعَبُّدُ بِهِ؟

- الشيخ: التَّعَبُّدُ بِهِ، مِن خِصالِ الفطرةِ هو، مِن خصالِ الفِطرة، لكن إذا خُتِنَ صغيراً صارَ التَّعَبُّدُ مِن وَلِيِّهِ، وإذا خَتَنَ بعدَ التمييزِ يعني: قريبَ البلوغِ أو حالَ البلوغِ يكونُ هو الـمُتَعَبِّدُ، هو الـمُتَعَبِّدُ بالخِتانِ.
 

- القارئ: وَلَا يُنْتَقَضُ هَذَا بالعِدَّةِ الَّتِي تجبُ على الصَّغِيرَةِ؛ فَإِنَّهَا لَا مَؤُونَةَ عَلَيْهَا فِيهَا، إِنَّمَا هِيَ مُضِيُّ الزَّمَانِ.
قَالُوا: فَإِذا بَلَغَ الصَّبِيُّ وَهُوَ أَقْلَفٌ أَو الْمَرْأَةُ غيرَ مختونةٍ وَلَا عُذرَ لَهما أَلزمَهُمَا السُّلْطَانُ بِهِ.
وَعِنْدِي: أَنه يجبُ على الْوَلِيِّ أَن يختنَ الصَّبِيَّ قبلَ الْبلُوغِ؛ بِحَيْثُ يَبلُغُ مختوناً؛ فَإِنَّ ذَلِكَ مما لَا يتمُّ الْوَاجِبُ إِلَّا بِهِ.
وَأمَّا قَولُ ابْنُ عَبَّاسٍ: "وَكَانُوا لاَ يَخْتِنُونَ الرَّجُلَ حَتَّى يُدْرِكَ" أَيْ: حَتَّى يُقَارِبَ الْبلُوغَ، كَقَوْلِه تَعَالَى: فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ [الطلاق:2] وَبعدَ بُلُوغِ الْأَجَلِ لَا يَتَأَتَّى الْإِمْسَاكُ.
وَقدْ صَرَّحَ ابْنُ عَبَّاسٍ أَنَّهُ كَانَ يَوْمَ موتِ النَّبِيِّ -صلى الله عَلَيْهِ وَسلم- مختوناً، وَأخْبرَ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ الَّتِي عَاشَ بعْدَهَا رَسُولُ اللهِ -صلى الله عَلَيْهِ وَسلم- بِضْعَةً وَثَمَانِينَ يَوْمًا، أَنَّهُ كَانَ قدْ ناهزَ الِاحْتِلَامَ.
وَقدْ أَمَرَ النَّبِيُّ -صلى الله عَلَيْهِ وَسلم- الْآبَاءَ أَنْ يأمرُوا أَوْلَادَهُم بِالصَّلَاةِ لِسَبْعٍ، وَأَنْ يضربُوهُم على تَركِهَا لِعَشرٍ؛ فَكيفَ يسوغُ لَهُمْ تركُ خِتانِهم حَتَّى يجاوزُوا الْبلُوغَ؟ وَاللهُ -سبحانَه- أعلمُ.

- الشيخ: لا، الآن وَجَدَ الناسُ فيه رفقاً ويُسراً خِتانُهُ صغيراً، يختنونَهُ في الأسبوعِ الأولِ.
 

- القارئ: الْفَصْلُ السَّادِسُ: فِي الِاخْتِلَافِ فِي كَرَاهِيَةِ يَوْمِ السَّابِعِ.
- الشيخ: في كراهةِ اليومِ السابعِ؟
- القارئ: كَرَاهِيَةِ يَوْمِ السَّابِعِ.
- الشيخ: كراهيتِه؟
- القارئ: لا، كَرَاهِيَةِ يَوْمِ السَّابِعِ.
- الشيخ: يعني: كأنه كراهيةُ الختانِ اليومَ السابع؟
- القارئ: نعم أي.. أقول: هذا هو المبحث.
- الشيخ: قف على هذا ..