الصّيام ؛ أحكامه ونوازله

 تنويه :
- المادة أدناه هي مقدمة ومدخل البحث، ولتحميل البحث كاملًا يرجى الضَّغط على أيقونتي:
word - pdf أعلاه .
-هذا المبحث العلمي مُستخلص مِن مؤلَّفات وفتاوى فضيلة الشَّيخ عبدالرَّحمن بن ناصر البرَّاك -حفظه الله- .
-إعداد: اللجنة العلميَّة 
***          ***          ***

 [مقدمات كتاب الصيام]
- الصيامُ لغةً هو: الإمساكُ مطلقًا عن الطعام أو الكلام أو غيرهما [1]، وفي الشرع: الإمساكُ عن المُفطِّرات من طلوع الفجرِ إلى غروب الشمسِ عبادةً لله [2]، فخرجَ الإمساكُ بلا نيّةٍ، والإمساكُ بنيةِ غيرِ العبادةِ كلأَمرٍ طبّيٍّ.
- ليس من الدّينِ الإمساكُ عن الكلام مطلقًا؛ كالتعبّدِ بالصمت [3]، وقد كان الإمساكُ عن كلام الناس مشروعًا في الأمم قبلنا [4] كما قال اللهُ عن مريم: فَقُولِي إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنْسِيًّا [مريم:26]، ولم يكن المشروع الصمت مطلقًا؛ بل عن كلام الناس، ومن حكمته تعالى أنْ جعلَ آيةَ زكريا الكونيةَ موافقةً لشريعته؛ ولهذا قال لزكريا: أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ إِلَّا رَمْزًا وَاذْكُرْ رَبَّكَ كَثِيرًا [آل عمران:41].
- فريضةُ الصيامِ شريعةٌ ماضيةٌ في شرائعِ الرسل [5]؛ لقوله تعالى: يَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ [البقرة:183]، والصومُ عبادةٌ محبوبةٌ لله تعالى؛ لذلك أضافَه إلى نفسه تعالى في الحديث القدسي؛ قال الله تعالى: (كُلُّ عملِ ابن آدم له، الحسنةُ بعشرة أمثالها إلاّ الصوم فإنه لي وأنا أجزي به) [6]
- ومن الصومِ ما هو محرّمٌ؛ كصوم عيدي الفطرِ والأضحى [7]، وأيامِ التشريقِ [8] إلاَّ لمن لم يجد هديَ التمتعِ أو القِران [9].
- لا وجهَ لمن كرِهَ إطلاقَ رمضان على الشهرِ دون إضافةِ الشهرِ[10]؛ لما صحَّ عن النبيّ -صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ- أنه قال: (إذا جاء رمضان فُتِّحت أبوابُ الجنَّة، وغُلِّقت أبوابُ النار) [11]، والصوابُ: جوازُ الأمرين على السواء؛ فيقال: رمضان، وشهر رمضان [12].
 
-[1] قال الله تعالى: {فَقُولِي إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْماً} [مريم: 26]. ويقال: صامت الخيلُ: إذا أمسكت عن السير، وصامت الريحُ: إذا أمسكت عن الهبوب. قال أبو عبيدة: كل ممسك عن طعام أو كلام أو سير فهو صائم. المطلع على ألفاظ المقنع ص182. وينظر: معجم مقاييس اللغة لابن فارس 3/323، ومفردات القرآن للراغب ص500.
[2]- ويضيف أكثر الفقهاء قيد: شخص مخصوص أو معناه، ليخرجوا نحو الحائض وغيرها، واختار شيخنا التعريف الألصق بالصوم لا الصائم الجامع لأركان الصيام. ينظر: المغني 4/323، والمطلع ص182، وشرح المنتهى 2/337، وكشاف القناع 5/193، والروض المربع 4/262.
[3]- قال شيخ الإسلام ابن تيمية في مختصر الفتاوى المصرية 2/24: "من تعبد بالصمت أو بالقيام بالشمس أو بالجلوس أو بالعُري ونحو ذلك؛ فهو ضال يجب أن ينكر عليه". والمراد الصمت عن كلام الناس مطلقًا، أما عن اللغو والخنا فلا، وكذلك عن كلامٍ معين أتى ما يقتضي هجرًا كما في خبر الثلاثة الذين خُلِّفوا، وانظر بحث ابن حجر في الفتح 7/151 وفيه مناقشة حسنة لمن سوغ التعبد بالصمت، واختلفوا هل كان الصمت مشروعًا لهم عن كلام الناس مطلقًا أم هو من تمام صومهم عن الطعام، انظر تفسير ابن جرير 15/519 وما بعدها.
[4]- قال صاحب التحرير والتنوير 16/28: "كان الانقطاع عن الكلام من ضروب العبادة في بعض الشرائع السالفة، وقد اقتبسه العرب في الجاهلية، كما دل عليه حديث المرأة من أحمس التي حجت مصمِتة. ونسخ في شريعة الإسلام بالسّنة"، وذكر آثارًا وفوائد حسنة فلتنظر في تفسير آية مريم: {فإما ترين من البشر أحدًا} [مريم: 26]، وذكر أنه قد بقي الصمت عبادة عند النصارى في مواضع من نحو ما يجعلونه ترحمًا على الميت، السابق 16/30.
[5]- انظر تفسير القرآن العظيم لابن كثير 1/497، تفسير آية البقرة.
[6]- أخرجه البخاري 1904، ومسلم 1151 من حديث أبي هريرة.
[7] - لحديث عمر: "هذان يومان نهى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- عن صيامهما: يوم فطركم من صيامكم، واليوم الآخر تأكلون فيه من نسككم". أخرجه البخاري 1990، ومسلم 1137.
[8] - لحديث نبيشة الهذلي: "أيام التشريق أيام أكل وشرب وذكر لله" أخرجه مسلم 1141.
[9]- يريد شيخنا يحرم صومها فيما عدا ذلك؛ لقول ابن عمر: «لم يرخص في أيام التشريق أن يصمن، إلا لمن لم يجد الهدي». أخرجه البخاري 1997 ونقل البخاري في صحيحه 1999 مثله عن أم المؤمنين عائشة رضي الله عنهم أجمعين. قال في المغني 3/51: "أجمع أهل العلم على أن صوم يومي العيدين منهي عنه، محرم في التطوع والنذر المطلق والقضاء والكفارة... والنهي يقتضي فساد المنهي عنه وتحريمه، وأما صومهما عن النذر المعين ففيه خلاف". كذا قال! ومشهور مذهب الحنفية الكراهة لا التحريم خلافًا لرواية أبي يوسف وابن المبارك عن أبي حنيفة. انظر بدائع الصنائع 2/78.
[10] - وهذا هو المذهب. والوجه الثاني في المذهب: أنه يكره مطلقًا، ووجه ثالث: يكره إلا مع قرينة تصرفه إلى الشهر فلا يكره. ينظر: الإنصاف 3/269، وشرح المنتهى 3/338.
[11]- أخرجه البخاري 1898 و3277، ومسلم 1079 من حديث أبي هريرة.
[12] - وهذا ظاهر اختيار البخاري في صحيحه؛ فقد بوب له في صحيحه 3/25: "باب: هل يقال رمضان أو شهر رمضان، ومن رأى كله واسعًا"، وأورد فيه حديث أبي هريرة السابق، وأعقبه بحديث أبي هريرة نفسه 1899 بلفظ: "«إذا دخل شهر رمضان فتحت أبواب السماء، وغلقت أبواب جهنم، وسلسلت الشياطين». قال الحافظ في الفتح 4/ 113: " وأشار البخاري بهذه الترجمة إلى حديث ضعيف رواه أبو معشر نجيح المدني عن سعيد المقبري عن أبي هريرة مرفوعًا: "لا تقولوا رمضان فإن رمضان اسم من أسماء الله؛ ولكن قولوا شهر رمضان" أخرجه بن عدي في الكامل [8/ 313] وضعفه بأبي معشر. قال البيهقي [السنن الكبرى 4/ 339]: قد روي عن أبي معشر عن محمد بن كعب وهو أشبه، وروي عن مجاهد والحسن من طريقين ضعيفين، وقد احتج البخاري لجواز ذلك بعدة أحاديث، انتهى. وقد ترجم النسائي لذلك أيضًا فقال: باب الرخصة في أن يقال لشهر رمضان رمضان". وينظر: شرح صحيح مسلم للنووي 4/46.