إجراء نصوص الصفات على ظاهرها وتوجيه وما يُدَّعى على السلف فيه من التأويل

السؤال :

حكى ابن عبد البر وغيره الإجماع على أن نصوص الصفات تُجرى على حقيقتها، وفي الوقت ذاته نجد للسلف نصوصا أولوها بحملها على المجاز والكناية، كقوله تعالى: إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ أي: بعلمه، وقوله: تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا أي: بحفظنا، وغير ذلك، وقوله: فهل ما حملوه على ذلك ليس من نصوص الصفات أصلًا؟ أو يقال: إن الإجماع غير مستقيم، وإنما التعويل على أفراد كلام السلف؛ فما أوَّلوه نؤوِّله، وما لا فلا، ويلزم من هذا بطلان فائدة الإجماع المذكور.

الحمد لله وحده، وصلى الله وسلم على من لا نبي بعده؛ أما بعد:

 فما حكاه ابن عبد البر[1] وغيره من الإجماع على أن نصوص الصفات تُجرى على حقيقتها وظاهرها[2]؛ فإن هذا هو الأصل عند أهل السنة؛ فإنهم متفقون على أنه يجب إثبات ما وصف الله به نفسه، أو وصفه به رسوله -صلى الله وعليه وسلم- من غير تعطيل ولا تمثيل، ولا تحريف ولا تأويل، وما يُدَّعى على السلف فيه من التأويل فما هو بتأويل؛ فإن التأويل في اصطلاح المتكلمين والأصوليين[3]: صرفُ اللفظ عن المعنى الظاهر إلى معنى مرجوح بدليل يقترن به[4]، وأيضَا فهذا لا ينطبق على ما نُسِب إلى السلف من التأويل؛ فإن الذي نُسِب إليهم من ذلك ما هو إلا بيانٌ للمعنى المراد الذي يدل عليه سياق الكلام؛ فقوله تعالى: أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ إلى قوله إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ [المجادلة: 7]، فقول السلف: (معهم بعلمه)[5] ليس من صرف الكلام عن ظاهره، بل ما قالوه هو ظاهره، وليس المعنى الحقيقيُّ للمعيَّة أن يكون الشيء متصلًا أو مختلطًا بما هو معه، قال شيخ الإسلام في العقيدة الواسطية: "وليس معنى قوله: وَهُوَ مَعَكُمْ [الحديد: 4] أنه مختلطٌ بالخلق؛ فإن هذا لا توجبه اللغة، وهو خلافُ ما أجمع عليه سلف الأمَّة، وخلافُ ما فطر الله عليه الخلق، بل القمرُ آيةٌ من آيات الله، من أصغر مخلوقاته، هو موضوعٌ في السماء، وهو مع المسافر وغير المسافر أينما كان" اهـ[6]ـ

وكذلك آية الحديد جاءت في سياق العلم، قال تعالى: يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الْأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ [الحديد: 4][7]، وقال شيخ الإسلام أيضًا: "وكل هذا الكلام الذي ذكره الله، من أنه فوق العرش وأنه معنا؛ حقٌّ على حقيقته، لا يحتاج إلى تحريف، ولكن يُصان عن الظنون الكاذبة" اهـ[8].

وهكذا قول السلف في قوله تعالى: تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا [القمر: 14] أي: بمرأى منَّا وبحفظنا[9]، هو من قبيل بيان المعنى المراد الذي يقتضيه السياق، وليس تفسيرًا للأعين؛ فليس فيه صرفٌ للكلام عن ظاهره، بل ما قالوه هو ظاهره، وفي هذا الموضع يناسب التنبيه على أنَّ أهل السنة إنما يثبتون لله عينين[10]؛ فذكر العينين بلفظ الجمع راجعٌ إلى قاعدة لغوية، وهي أن المثنى إذا أضيف إلى الجمع مُظهَرا أو مُضمرا ذُكر بلفظ الجمع، كما في هذه الآية، ومن شواهد ذلك قوله تعالى: أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا خَلَقْنَا لَهُمْ مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا أَنْعَامًا [يس: 71]، وقوله تعالى: ذَلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ [آل عمران: 182][11].

فتبيَّن أنَّ القول بإجماع السلف على أن نصوص الصفات تجرى على ظاهرها قولٌ صحيحٌ مطَّردٌ، وأن القول بأنهم أوَّلوا بعض نصوص الصفات باطلٌ. نسأله تعالى أن يهدينا إلى الصواب في القول والعمل. والله أعلم.

 

أملاه:

عبدالرحمن بن ناصر البراك

حرر في 28 جمادى الأولى 1447ه

 

[1] ينظر: التمهيد (7/145).

[2] ينظر: الحموية بشرح شيخنا (ص282) وما بعدها.

[3] ينظر: أساس التقديس -ت حجازي- (ص235)، والبحر المحيط في أصول الفقه (5/37-38).

[4] تنظر معاني التأويل في: الحموية بشرح شيخنا (ص258)، والتدمرية بشرح شيخنا (ص363).

[5] وذكروا أن الآية جاءت في سياق العلم. ينظر: تفسير الطبري (22/468)، السنة لعبد الله بن أحمد (11)، (592)، والإبانة (7/144)، (106).

[6] الواسطية بشرح شيخنا (ص184).

[7] ينظر: درء التعارض (1/237-238)، ومنهاج السنة (8/378-380).

[8] الواسطية بشرح شيخنا (ص184).

[9] ينظر: تفسير الطبري (22/129)، والبغوي (7/429).

[10] ينظر: النقض على المريسي (ص228)، ومقالات الإسلاميين (1/173)، (1/226).

[11] ينظر: بيان تلبيس الجهمية (5/474-481)، والصواعق المرسلة (1/84).