الحمد لله وحده، وصلى الله على محمد، أما بعد:
فقد أخبر الله في الآيات الكريمة من قوله: فَانْتَقَمْنَا مِنْهُمْ فَأَغْرَقْنَاهُمْ فِي الْيَمِّ إلى قوله: يَعْرِشُونَ [الأعراف: 136-137] بأنه تعالى أغرق فرعون وجنوده، كما فصَّل ذلك في سور أخرى كيونس وطه والشعراء، وأورث الله القومَ الذين كانوا يُستضعفون الأرضَ التي بارك فيها، وهم بنو إسرائيل، والأرض هي الشام[1]، ثم أخبر تعالى بأنه دمَّر ما كان يصنع فرعون وقومه، وهو شاملٌ للمباني والقصور والجنات والزروع، ولم يبيَّن لنا كيف كان تدميرها، ولكننا نعلم أن الله دمَّرها بعدما أخرجهم منها، وقد ذكر بعض المفسرين صفة التدمير باحتمالات ذكروها[2]، ونقول: إن الله دمَّرها كيف شاء، بما شاء، والتدمير يدلُّ على المحق والإزالة، ولم يَخْلُفهم على هذه الجنات ومظاهر الملك أحدٌ من قوم فرعون، فقد جمعهم الله إلى الهلاك، وساقهم إلى النار، ولا خلَفهم بنو إسرائيل، على الصحيح من قول المفسرين والمؤرخين[3]، فبنو إسرائيل أورثهم الله الأرض المباركة، كما تقدم، وأمَّا قوله تعالى: كَذَلِكَ وَأَوْرَثْنَاهَا بَنِي إِسْرَائِيلَ [الشعراء: 59]، فقد قال بعض الناس: إن بني إسرائيل رجعوا إلى مصر، فخلَفوا على ما خلَّف فرعون وقومه[4]، وقال بعض المفسرين: لم يرجع بنو إسرائيل، وهذا هو الصواب، كما يدل عليه قوله تعالى: وَأَوْرَثْنَا الْقَوْمَ الَّذِينَ كَانُوا يُسْتَضْعَفُونَ مَشَارِقَ الْأَرْضِ وَمَغَارِبَهَا [الأعراف: 137]، كذلك قالوا: إن قوله: كَذَلِكَ وَأَوْرَثْنَاهَا بَنِي إِسْرَائِيلَ [الشعراء: 59] أي: جنسها لا عينها[5]، والواقع يدل لهذا؛ فإن موسى عليه السلام خرج ببني إسرائيل إلى أرض الشام، وواعده ربُّه وقومَه أن يلقوه عند طور سيناء، كما فصل ذلك في سورة طه، من قوله تعالى: يَابَنِي إِسْرَائِيلَ قَدْ أَنْجَيْنَاكُمْ مِنْ عَدُوِّكُمْ وَوَاعَدْنَاكُمْ جَانِبَ الطُّورِ الْأَيْمَنَ إلى قوله: وَمَا أَعْجَلَكَ عَنْ قَوْمِكَ يَامُوسَى [طه: 80-83]، إلى قوله تعالى: فَرَجَعَ مُوسَى إِلَى قَوْمِهِ غَضْبَانَ أَسِفًا [طه: 86] ، إلى قوله تعالى في شأن السامريِّ: ثُمَّ لَنَنْسِفَنَّهُ فِي الْيَمِّ نَسْفًا [طه: 97]، فالمقصود أن ديار فرعون ومنازله وعروشه دمِّرت بعد هلاكه، بنصِّ القرآن. والله أعلم.
أملاه:
عبدالرحمن بن ناصر البراك
حرر في 1 جمادى الآخرة 1447ه
[1] قاله الحسن وقتادة. ينظر: تفسير الطبري (10/404)، وابن أبي حاتم (5/1551)، وزاد المسير (2/150).
[2] ينظر: البحر المحيط (5/156).
[3] قال ابنُ عطية (6/ 584): "توريث بني إسرائيل يحتمل مقصدين: أحدهما: أنه تعالى ورَّثَهم هذه الضفة من أرض الشام. والآخر: أنه ورَّثَهم مصر، ولكن بعد مدة طويلة من الدهر. قاله الحسن. على أن التواريخ لم تتضمن ملك بني إسرائيل في مصر". وينظر: البداية والنهاية (2/117) وما بعدها.
[4] قاله مقاتل، وروي عن الحسن. ينظر: تفسير مقاتل (3/266)، ويحيى بن سلام (2/505)، والتفسير البسيط (17/57).
[5] ينظر: المحرر الوجيز (4/525)، والتحرير والتنوير (19/138).
