الحمد لله وحده، وصلى الله على محمد، أما بعد:
فطريقة هذا الرجل في الطلاق والمراجعة طريقة أهل الجاهلية، إلا أنه لا يتأخر في المراجعة، وأهل الجاهلية يتأخرون في المراجعة مضارةً؛ لتطويل العدة، ثم إن مراجعة هذا الرجل ليست مراجعة شرعية؛ لأنه لم يرد الإصلاح وإنما أراد تأكيد الفرقة بتكرار الطلاق والمراجعة، وقد قال تعالى: وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ إِنْ أَرَادُوا إِصْلَاحًا [البقرة: 228]، وأما جماع الرجل لمطلقته في العدة، فمن أهل العلم من يرى أن مجرد جماع الرجل لمطلقته في العدة رجعة، نوى الرجعة أم لم ينو[1]، والقول الآخر أن الجماع لا يكون رجعةً إلا بنية، وهو الصحيح[2]، واختاره شيخ الإسلام ابن تيمية[3]، وعليه؛ فجماع هذا الرجل لامرأته على هذا الوجه هو عندي من المشتبهات التي أمر النبي ﷺ بالاستبراء منها، وحذَّر من الوقوع فيها، قال ﷺ: مشتبهات لا يعلمهن كثير من الناس؛ فمن اتقى الشبهات استبرأ لدينه وعرضه، ومن وقع في الشبهات وقع في الحرام[4]، والواجب على المسلم أن يتقي الله، ويتقيَ ما يُدنيه من أسباب سخطه. فممَّا تقدم من شأن تكرار الطلاق والمراجعة يُعلم أن هذه المرأة لا تحرُم على مطلِّقها بتطليقها ثلاثًا؛ لأنه لم يراجع مراجعةً شرعية، وإن بدا له أن يراجعها بعد الطلقة الثالثة، فعندي أنه لا يجوز له ذلك، إلا بعد أن يستفتي من يوثق بعلمه ودينه؛ لأن هذه المسألة عندي أيضًا من المشتبهات، فأنا لا أُحِل هذا المرأة لزوجها ولا أحرِّمها عليه. والله أعلم.
أملاه:
عبدالرحمن بن ناصر البراك
حرر في 6 جمادى الآخرة 1447ه
[1] وهو المذهب. ينظر: كشاف القناع (12/413).
[2] وهو قول مالك وإسحاق، ورواية عن أحمد. ينظر: شرح الخرشي على مختصر خليل (4/81)، والمغني لابن قدامة (10/ 559)، والإنصاف (23/86).
[3] ينظر: الأخبار العلمية من الاختيارات الفقهية (ص392).
[4] أخرجه البخاري (52)، ومسلم (1599) -واللفظ له- من حديث النعمان بن بشير رضي الله عنهما.
