حديث عن يأجوج ومأجوج وفق نصوص الكتاب والسنة

السؤال :

لو تحدثتم لنا –حفظكم الله– عن يأجوج ومأجوج وفق ما يحضركم من النصوص الصحيحة من الكتاب والسنة.

 

الحمد لله وحده، وصلَّى الله وسلَّم على نبيِّنا محمد، أما بعد:

فإن يأجوج ومأجوج  أمَّتان عظيمتان من بني آدم وعلى أشكالهم، قال المؤرخون: إنهم مِن نسل يافث بن نوح عليه السلام، فالساميُّون أولاد عمِّهم[1]، وقد ورد ذِكر يأجوج ومأجوج في الكتاب والسنة، كما في  قوله تعالى في قصة ذي القرنين في سورة الكهف: حَتَّى إِذَا بَلَغَ بَيْنَ السَّدَّيْنِ وَجَدَ مِنْ دُونِهِمَا قَوْمًا لَا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ قَوْلًا (93) قَالُوا يَاذَا الْقَرْنَيْنِ إِنَّ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ مُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ فَهَلْ نَجْعَلُ لَكَ خَرْجًا عَلَى أَنْ تَجْعَلَ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ سَدًّا [الكهف:93-94] الآيات، وفي سورة الأنبياء في قوله تعالى: حَتَّى إِذَا فُتِحَتْ يَأْجُوجُ وَمَأْجُوجُ وَهُمْ مِنْ كُلِّ حَدَبٍ يَنْسِلُونَ [الأنبياء: 96].

ومن السنة ما جاء في حديث النواس بن سِمعان -رضي الله عنه- في صحيح مسلم[2]، قال: "ذكر رسول الله -صلى الله عليه وسلم- الدجال ذات غداة، ‌فَخَفَّضَ ‌فيه ‌وَرَفَّعَ "، إلى أن قال: "ثم يدعو (أي: الدجال) رجلًا ممتلئًا شبابًا، فيضربه بالسيف فيقطعه جِزلتين رمية الغَرَضِ، ثم يدعوه فيقبل ويتهلل وجهه، يضحك، فبينما هو كذلك إذ بعث الله المسيح ابن مريم"، ثم ذكر أنه يقتل الدجال، ثم قال: "فبينما هو كذلك إذ أوحى الله إلى عيسى: إني قد أخرجت عبادًا لي، لا يَدان لأحد بقتالهم، فحرِّز عبادي إلى الطور ويبعث الله يأجوج ومأجوج، وهم من كل حدب ينسلون".

وفي صحيح مسلم[3] عن حذيفة بن أَسيد الغفاري، قال: اطلع النبي -صلى الله عليه وسلم- علينا ونحن نتذاكر، فقال: ما تذاكرون؟ قالوا: نذكر الساعة، قال: إنها لن تقوم حتى ترون قبلها عشر آيات. فذكر: الدجال ونزول عيسى عليه السلام ويأجوج ومأجوج....

وفي الصحيحين عن أبي سعيد الخدري -رضي الله عنه-، عن النبي -صلى الله عليه وسلم-، قال: يقول الله تعالى: يا آدم، فيقول: لبيك وسعديك، والخير في يديك"، فيقول: أخرج بعث النار، قال: وما بعث النار؟، قال: "من كل ألف تسع مئة وتسعة وتسعين"» الحديث، فقال الصحابة: وأينا ذلك الواحد؟ قال: أبشروا، فإن منكم رجلًا[4] ومن يأجوج ومأجوج ألفًا[5][6].

وصح في المسند وجامع الترمذي وصححه عن عمران بن حصين -رضي الله عنه- أنه لما شقَّ ذلك على الصحابة، قال: اعملوا وأبشروا فوالذي نفس محمد بيده إنكم لمع خليقتين ما كانتا مع شيء إلا كثَّرتاه، يأجوج ومأجوج، ومن مات من بني آدم وبني إبليس[7].

وأخرج الشيخان عن أم حبيبة بنت أبي سفيان، عن زينب بنت جحش -رضي الله عنهم- أن النبي -صلى الله عليه وسلم- دخل عليها فزعًا يقول: لا إله إلا الله، ويل للعرب من شر قد اقترب، فُتح اليوم من رَدْمِ يأجوج ومأجوج مثل هذه وحلَّق بإصبعه الإبهام والتي تليها، قالت زينب بنت[8] جحش: فقلت: يا رسول الله: أنهلك وفينا الصالحون؟ قال: نعم إذا كَثُر الخَبَثُ[9].

ويؤخذ من هذه الآيات والأحاديث فوائد:

  • الأولى: أن يأجوج ومأجوج عالم من بني آدم، وعلى أشكالهم، وهذا بالاتفاق.
  • الثانية: أنهم أمَّتان عظيمتان من حيث الكثرة، كما تدل عليه الأحاديث المذكورة.
  • الثالثة: أنهم موجودون على سطح الأرض خلف سدَّين عظيمين من سلاسل الجبال، كما في سورة الكهف.
  • الرابعة: أنه كان لهم طريق يخرجون منه على الناس الذين في ناحيتهم، فشكى هؤلاء إلى ذي القرنين، فبنى بينهم وبين يأجوج ومأجوج ردمًا، فلا يستطيعون له نقبًا، ولا الظهور من فوقه، وقد أشير إلى ذلك الردم في حديث أم حبيبة رضي الله عنها.
  • الخامسة: أن لهذا الردم وقتًا يندكُّ فيه؛ لقوله تعالى عن ذي القرنين: فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ رَبِّي جَعَلَهُ دَكَّاءَ وَكَانَ وَعْدُ رَبِّي حَقًّا [الكهف: 98]، وفي ذلك الوقت يخرجون على الناس، كما قال تعالى: حَتَّى إِذَا فُتِحَتْ يَأْجُوجُ وَمَأْجُوجُ وَهُمْ مِنْ كُلِّ حَدَبٍ يَنْسِلُونَ [الكهف: 96].
  • السادسة: أن خروجهم يكون بعد خروج الدجال ونزول عيسى ابن مريم؛ لحديث النوَّاس بن سمعان.

فعلم ممَّا تقدَّم بطلان قول من يقول: إن الرَّدم قد انهدم، وإنهم خرجوا، وما بُني على ذلك من أنهم هم هذه الأمم الأوربية والأمريكية والألمان. ومن قال: إنهم الصين وما حولهم فقوله أقرب؛ لما عرف من كثرتهم، وممَّا هو معلوم من موقعهم[10]، وعلى كلِّ حال فلا يجوز القطع بشيء ممَّا يقال إلا ما أخبر به النبي -صلى الله عليه وسلم- وثبت عنه. والله أعلم.

 

أملاه:

عبدالرحمن بن ناصر البراك

حرر في 10 رجب 1445هـ

 

[1] ينظر: تاريخ الطبري (2/201) وما بعدها، والبداية والنهاية (2/552).

[2] برقم (2937).

[3] برقم (2901).

[4] كذا في رواية أبي ذر وعليه صح، وفي أخرى: "رجلٌ".

[5] كذا في رواية أبي ذر وعليه صح، وفي أخرى: "ألٌف".

[6] أخرجه البخاري (3348) -واللفظ له-، ومسلم (222).

[7] أخرجه أحمد (19901)، والترمذي (3169) -واللفظ له- ، والنسائي في الكبرى (11277). وصححه الترمذي، والحاكم (78).

[8] كذا في رواية أبي ذر وعليه صح، وفي أخرى: "ابنة".

[9] أخرجه البخاري (3346)، ومسلم (2880).

[10] ينظر: رسالتان في المسيح الدجال ويأجوج ومأجوج للسعدي (ص70) وما بعدها، والاحتجاج بالأثر على من أنكر المهدي المنتظر (ص310) وما بعدها.