حكم تحري اتباع الرسول في الأمور الجبلية والأفعال العادية

السؤال :

هل اتباع النبي -صلى الله عليه وسلم- في الأمور الجبليَّة، أو التي حصلت اتفاقا منه -عليه الصلاة والسلام-، هل يؤجر المسلم على ذلك؟

الحمد لله وحده، وصلَّى الله وسلَّم على نبيِّنا محمد، أما بعد:

فإنَّ أحد أصلَي الدَّين: اتباعُ الرسول -صلى الله عليه وسلم-، والأصلُ الأولُ: إخلاص الدين لله، قال تعالى: وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ [الأعراف: 158]، وقال سبحانه: قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ [آل عمران: 31]، واتباعُه -صلى الله عليه وسلم- يشمل طاعة أمره ونهيه، والاقتداء به في أفعاله التعبدية، من الصلاة والصيام وسائر العبادات من واجبات ومستحبات، وأما الأفعال العاديَّة التي فعلها النبي -صلى الله عليه وسلم- بحكم العادة واقتضاء الطبع؛ كالأكل والشرب والنوم والمشي والقعود واللباس، فلا يُشرع تَحري اتباعِه فيها وجوبًا ولا استحبابًا، لكن قد يتعلَّق حكمُ التعبُّد في هيئات هذه الأفعال؛ كهيئة مشيه وقعوده واضطجاعه وهيئة أكله عليه الصلاة والسلام، وأمَّا ما يُحِب من الطعام؛ كالحلوى والعسل[1] والدُّبَّاء، واللباس؛ كالقميص[2]، فلا يشرع تحرِّي ذلك على وجه التعبُّد، بل من باب موافقة الحبيب فيما يُحب، كما قال أنس رضي الله عنه: "رأيت النبي -صلى الله عليه وسلم- يتتبع الدَّبَّاء من حوالي القصعة، فلم أزل أحبُّ الدُّبَّاء بعدَ يومئذ" أخرجه الشيخان[3]، فلو تحرَّى الإنسان موافقة الرسول -صلى الله عليه وسلم- فيما يُحب كان مأجورًا، وهذا ممَّا يُلغز به، فيقال: إن الإنسان قد يؤجر على ما ليس بعبادة، فما هو؟ ويؤخذ من هذا أنَّ أسباب الأجر أوسع من باب العبادات، هذا وقد نصَّ العلماء في أصول الفقه على الفرق بين العادات والعبادات في مشروعية الاتِّباع[4]. نسأل الله أن يوفقنا لاتباع الرسول صلى الله عليه وسلم، ولزوم سنته. والله أعلم.

 

أملاه:

عبدالرحمن بن ناصر البراك

حرر في 5 شعبان 1447ه

 


[1] أخرجه البخاري (5431)، ومسلم (1474) من حديث عائشة رضي الله عنها.

[2] أخرجه أبو داود (4025)، والترمذي (1762)، والنسائي في الكبرى (9589)، وابن ماجه (3575)، والبيهقي في السنن الكبير (3335) من حديث أم سلمة رضي الله عنه. قال الترمذي: «هذا حديث حسن غريب». وصححه الحاكم (7406).

[3] أخرجه البخاري (5436)- واللفظ له-، ومسلم (2041).

[4] ينظر على سبيل المثال: العدة في أصول الفقه (3/734)، والإحكام في أصول الأحكام للآمدي (1/173)، والبحر المحيط في أصول الفقه (6/23).