الحمدُ لله؛ فروضُ الكفايةِ نوعان[1]:
نوعٌ: لا يَقبلُ التكرار؛ كتغسيل الميتِ وتكفينِه ودفنِه، وإنقاذِ الغريقِ.
ونوعٌ: يقبلُ التكرار بفعل آخرين، وكذا من فعله في الجملة؛ كالصلاة على الجنازة، والأمرِ بالمعروف والنهي عن المنكر، والدعوة إلى الله، فهذا النَّوع قد اختلف في حكم فِعله ثانيةً وثالثةً، هل يقع فرضًا أو نفلًا؟:
فذهب أبو حنيفة[2] ومالكُ[3] إلى أنَّه يقع نفلًا، وقالا: إنَّ صلاةَ الجنازةِ لا يُتنفَّل بها، فمنعوا إعادةَ الصلاة على الجنازة.
وذهب الشَّافعيُّ وأصحابُه[4]، وهو وجهٌ في مذهب أحمد[5]، كما ذكره شيخُ الإسلام ابن تيمية[6]، أنَّ فِعل الطائفة الثَّانية يقع فرضًا، وأجابوا بذلك عن قول المخالفين إنَّ صلاة الجنازة لا يُتنفَّل بها، فلا يُشرعُ تكرارُها، وقالوا: إنَّ فِعل الطائفة الأُولى إنَّما أسقطَ الحرج أو الإثم، ولم يسقط الفرضُ حقيقةً وإنَّما أسقطه حكمًا، فكلّ مَن فعله فهو مؤدٍّ لواجب، وقاسوه على صلاة الجمعِ الكثيرِ دفعةً واحدةً، فإنَّه يقع فرضًا بالاتفاق، مع أنَّ الإثم يسقط بفعل البعض، وقاسوه أيضًا على ردِّ الجماعةِ السَّلام واحدًا بعد واحدٍ، فإنَّ كلّ واحدٍ يقع سلامه فرضًا؛ لأنَّه يؤدِّيه عن نفسه، وإن سقط عنه الإثمُ بردِّ الأوَّلِ، وذلك على القول بإجزاء ردِّ الواحدِ عن الجماعة.
ووجَّهوا قولهم أيضًا: بأنَّ مصلحة صلاة الجنازة لا تتقدر ولا يقطع بحصولها بفعل الطائفة الأولى، فلذلك يُطلب فيها المزيد، ويُرغَّب في كثرة المصلِّين.
قالوا: ومن التَّطوع ما يَصيرُ واجبًا بالشُّروع؛ كالحجِّ، قالوا: وواجبُ الكفايةِ الذي يقبل التِّكرارَ يُسقِط الإثمَ والحرج بفعل الطائفة الأُولى، ثم مَن بعدهم مَن أحبَّ أن يُسقطه بفعله كان له ذلك.
هذا؛ وقد فصَّل النووي رحمه الله القول في ذلك في كتابه "المجموع"، وبيَّن أنَّ صلاة الطائفة الثانية تقع فرضًا، كما بيَّن أنَّ معنى قولهم: "سقطَ الفرضُ عن الباقين"، يعني: سقوطُ الحرجِ، فقال: "إذا حضر بعد الصَّلاة عليه إنسانٌ لم يكن صلَّى عليه أو جماعةٌ فصلُّوا عليه؛ كانت صلاتُهم فرض كفايةٍ بلا خلافٍ عندنا"[7]، وردَّ بذلك على أبي حنيفة في منعه تكرارَ صلاةِ الجنازةِ بناءً على أنَّه لا يُتنفَّل بها، وذكر الأحاديث الدَّالةَ على مشروعيَّة الصَّلاةِ على مَن صُلِّي عليه، كحديث المرأةِ التي كانت تقُمُّ المسجدَ[8]، ثم قال: "والجوابُ عن احتجاجهم بأنَّ الصَّلاة الثانية نافلةٌ من وجهين:
أحدهما: منعه، بل هي عندنا فرض كفايةٍ...
والثَّاني: أنَّه ينتقض بصلاة النِّساءِ مع الرِّجالِ على الجنازة فإنَّها نافلةٌ في حقِّهنَّ؛ لأنَّهنَّ لا يدخلن في الفرض إذا حضر الرِّجال"[9].
ثم قال: «فإن قيل: كيف تقع صلاة الطائفة الثانية فرضًا ولو تركوها لم يأثموا وليس هذا شأن الفروضِ؟
فالجواب: أنَّه قد يكون ابتداءُ الشَّيء ليس بفرضٍ فإذا دخل فيه صار فرضًا؛ كما إذا دخل في حجِّ التَّطوع، وكما في الواجب على التخيير كخصال الكفَّارة، ولو أنَّ الطائفة الأولى لو كانت ألفًا أو ألوفًا وقعت صلاتُهم جميعهم فرضًا بالاتِّفاق، ومعلومٌ أنَّ الفرض كان يسقط ببعضهم ولا يقولُ أحدٌ إنَّ الفرضَ سقط بأربعةٍ منهم على الإبهام والباقون مُتنفِّلون.
فإن قيل: قد وقع في كلام كثيرٍ من الأصحاب أنَّ فرض الكفايةِ إذا فعله مَن تحصلُ به الكفايةُ سقط الفرضُ عن الباقين، وإذا سقط عنهم كيف قُلتم تقع صلاةُ الطائفة فرضًا؟
فالجوابُ: أنَّ عبارةَ المحقِّقين: "سقط الحرج عن الباقين" أي لا حرج عليهم في ترك هذا الفعل، فلو فعلوه وقع فرضًا كما لو فعلوه مع الأوَّلين دفعةً واحدةً.
وأمَّا عبارةُ مَن يقول: "سقط الفرضُ عن الباقين" فمعناها سقط حرجُ الفرضِ وإثمُه واللهُ أعلم"[10].
وقد ألَّف السُّيوطي رحمه الله رسالةً في هذه المسألةِ وسمَّاها: "الفوائدُ الممتازة في صلاة الجنازة"[11]، وذكر فيها جملةً من أقوال علماءِ الشافعية في المسألة، ثم لخَّصَ مسالك القائلين بأنها تقع فرضًا في عشرة وجوهٍ، نذكر أهمَّها، قال رحمه اللهُ: "المسلك الأول: القياس على فعل الطائفة الأولى. المسلك الثاني: القياس على أفراد الطائفة الأولى إذا كانت عددًا كثيرًا زيادةً عمَّا يُسقط الفرضَ، فإنَّ فِعل كلّ واحدٍ منهم يُوصف بأنَّه فرضٌ بالاتِّفاق، ولا يقال إنَّ الفرضَ فِعلُ بعضٍ منهم والباقي نفلٌ؛ لأنَّ ذلك تحكُّم؛ إذ ليس بعضهم بأَولى بالوصف بالفرضية من بعضٍ. المسلك الثالث: القياسُ على حجِّ التَّطوع فإنَّه يكون ابتداؤُه ليس بفرضٍ، فإذا دخل فيه صار فرضًا، ولا يُستنكَرُ هذا فله نظيرٌ في الجهاد، فإنَّ مَن لم يتعيَّن عليه القِتالُ إذا شرع فيه وحضر الصَّفَّ تعيَّن عليه وحرمَ عليه الانصرافُ. المسلك الرابع: القياسُ على المكفِّر إذا أتى بجميع خصالِ الكفَّارةِ على التَّرتيب فإنَّه يُثاب على الكلّ ثوابَ الواجبِ، مع أنَّ الوجوبَ سقط بالخصلة الأُولى، وإنَّما قلنا في صورة المكفِّر: إنَّه يُثاب على الجميع ثوابَ الواجبِ؛ لأنَّه لو اقتصر على فردٍ منها يُثاب[12] عليه ثوابَ الواجبِ، فانضمامُ غيره إليه لا يُنقصه عنه. المسلك الخامس: القياسُ على ردِّ السَّلامِ فإنَّه إذا ردَّ واحدٌ جاز لغيره أن يردَّ ويكون منه[13] فرضًا، ولا يوصفُ بأنَّه نفلٌ؛ لأنَّ رد السَّلام لا تطوُّع فيه. المسلك السادس: منع قول الخصومِ إنَّ الفرضَ سقط بالأوَّلين وإنَّما السَّاقطُ حرجُه لا هو، ففرق بين سقوطِ الحرجِ الذي كان يَلحقُ الأمَّة لو تُرك وبين سقوطِ الفرضِ. المسلك السابع: أن يقالَ -على تقدير تسليمِ سقوطِ الفرضِ-: فرقٌ بين سقوطِه حقيقةً وبين سقوطِه حُكمًا، وفِعل الأوَّلين إنَّما أسقطَ الفرضَ عن غيرهم حُكمًا ولم يسقطه حقيقةً، وإنَّما يسقطُ عنهم حقيقةً بفعلهم هم، فإذا فعلوه ثانيًا سقط عنهم حقيقةً، فوصفَ فعلهم بأنَّه أسقطَ الفرضَ عنهم حقيقةً، وهذا المسلكُ عندي أقوى المسالك وأدقها وأقطعها للنِّزاع».اهـ.
وبعدُ؛ فمجموعُ هذه المسالك يقوِّي القولَ بأنَّ صلاةَ الطائفة الثانية على الجنازة تقع فرضًا، بل يوجب ترجيحه، فيلزمُ من هذا أنَّ الطائفة الثانية تُثاب ثوابَ الفرضِ، وفضلُ اللهِ واسعٌ، وهذا ممَّا يُرغّب في الصَّلاة على الجنازة التي قد صُلِّي عليها، فيعودُ نفع ذلك إلى المصلِّي والمصلَّى عليه، بل ربَّما كانت المنفعةُ بصلاة الآخرين أعظم نفعًا من صلاة الأوَّلين، وعلمُ ذلك عند اللهِ تعالى.
وبهذا يتبيَّن أنَّه لا موجبَ لمنع المبادرين للصَّلاة على الجنائز حرصًا على الأجر، الذين لا يمكنهم الانتظارُ للصَّلاة مع الإمامِ والجماعةِ، وإن كان الأَولى بهم ذلك، واللهُ أعلم.
أملاه:
عبدالرحمن بن ناصر البراك
حرر في 26 رجب 1447ه
[1] ينظر: البحر المحيط في أصول الفقه(1/335).
[2] ينظر: المبسوط (1/119)، (2/126)، وبدائع الصنائع (1/311).
[3] ينظر: المدونة (1/257)، وشرح الخرشي على مختصر خليل (2/137).
[4] سيأتي كلام النووي.
[5] ينظر: المغني (3/445)، والفروع وتصحيحه (3/349).
[6] ينظر: مجموع الفتاوى (23/262-263)، (23/387-388).
[7] المجموع شرح المهذب (5/245).
[8] أخرجه البخاري (458)، ومسلم (956) عن أبي هريرة رضي الله عنه.
[9] المجموع شرح المهذب (5/245).
[10] المجموع شرح المهذب (5/245-2465).
[11] مطبوعة ضمن الحاوي للفتاوي -ط دار الكتب العلمية ت عبد اللطيف حسن- (1/82-86)، وطبعة دار الفكر (1/96-101)، ولها مخطوطة مكتوبة بالخط المغربي في (3) أوراق ونصف في كل ورقة (38) سطرًا، وهي من مصورات دار الكتب التونسية (471).
[12] في الحاوي: (لا يثاب)، والصواب: (يثاب) قاله شيخنا. وفي المخطوطة التونسية (2/أ) سقطت العبارة كلها.
[13] في الحاوي: (قبله)، وفي المخطوطة التونسية (2/أ): (فعله)، وقال شيخنا: "ولعل الصواب: (ويكون منه فرضًا)".
