هل المنع من عبادة الله في المكان المعد للمعصية عام لكل عبادة أم للعبادة المشابهة

السؤال :

في قوله تعالى: لَا تَقُمْ فِيهِ أَبَدًا [التوبة: 108] قلتم في شرحكم الطيب (الكشف شرح كتاب التوحيد) ص٢٦٥: (دل ذلك على أن الأمكنة المعدة للمعصية لا تجوز العبادة فيها) وقلتم في ص٢٧٠: (وأنه لا يحل الذبح في مكان يُذبح فيه لغير الله، أو في مكان قد أُعد لمعصية الله) أهـ.

هل المنع هو لعموم العبادات، أو المنع للعبادة المشابهة لما عُصي الله به فقط، فما كان عُصي فيه بالذبح لا يذبح فيه لله، وما عُصي فيه بالصلاة فلا يصلى فيه لله فقط، بحسب القرب والتشابه، أو يقال: بل ما عُصي فيه بالذبح فلا يُصلى فيه لله؟

ابسطوا لنا الجواب في ذلك. جزاكم الله عنا وعن المسلمين خيرا.

الحمد لله وحده، وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه؛ أما بعد:

فإن الأدلة الدالة على تحريم عبادة الله في الأماكن المعدَّة للمعصية نوعان: عامَّة وخاصَّة.

فالخاصُّ منها يدل على تحريم ما نُصَّ عليه في دليل النهي؛ فمسجد الضِّرار نصَّ الله في شأنه على النهي عن الصلاة فيه لَا تَقُمْ فِيهِ أَبَدًا [التوبة: 108]، وأماكن أعياد المشركين وأوثانهم التي يذبحون فيها للوثن، أو بمناسبة العيد، نهى النبي ﷺ الرجل الذي نذر أن يذبح إبلا ببُوانة إن كان فيها وثن من أوثان الجاهلية، أو عيد من أعيادهم، فلما قيل له: ليس فيها شيء من ذلك، قال ﷺ للرجل:  أوف بنذرك[1]، واستنبط الإمام المجدد الشيخ محمد بن عبد الوهاب من الحديث تحريم الذبح لله في مكان يُذبح فيه لغير الله، وترجم على الحديث بذلك؛ فقال: "باب: لا يُذبح لله في مكان يُذبح فيه لغير الله"[2]؛ فالآية في شأن مسجد الضِّرار، والأصل في المسجد أن يُعدَّ للصلاة، ولذا جاءت الآية متضمَّنة لذلك، وأمَّا الحديث فمتعلِّقٌ بأوثان المشركين وأعيادهم، وعادتُهم الذبح لذلك، ولهذا نهَى النبي ﷺ الرجل أن يذبح ما نذر في المكان الذي نذر فيه إن كان فيه وثنٌ أو عيدٌ لأهل الجاهلية.

وأمَّا الأدلة العامَّة فإنها تقتضي النهي عن التشبه بالكفار في عباداتهم عمومًا، بل وفي عاداتهم، ومن ذلك تعظيمهم لما يعظِّمونه عبادةً أو عادةً، وفي قصد الأماكن المعظَّمة عند المشركين بأيِّ عبادة أقول: إن في ذلك تعظيمًا لها؛ فلا يجوز ذلك، وأقول أيضًا: لا يجوز الاعتكاف في مسجد الضِّرار، ولا قراءة القرآن فيه، وكذلك أماكن أعياد المشركين وأوثانهم لا يجوز قصدُها للتعبُّد فيها بأيِّ عبادة كما تقدَّم، وهذا كلُّه داخلٌ في البراءة من الكفَّار، والبعد عن موالاتهم والتشبه بهم بأيِّ وجه من الوجوه. والله أعلم.

هذا، وقد تنازع العلماء في حكم الصلاة في كنائس النصارى[3]؛ فقيل: بالجواز مطلقا؛ لعموم «جُعِلت لي الأرض مسجدا وطهورا»[4]، وقيل: بالتحريم مطلقا؛ لعموم النهي عن التشبه بالكفَّار، وتعظيم معابدهم، وقيل بتحريم ذلك إن كان فيها صور، ورجَّح ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله[5]. والله أعلم.

أملاه:

عبدالرحمن بن ناصر البراك

حرر في 5 رمضان 1447ه

 


 

[1] أخرجه أبو داود (3313)، والطبراني في الكبير (1341)، وصححه الجورقاني في "الأباطيل والمناكير والصحاح والمشاهير" (556)، وابن تيمية في اقتضاء الصراط المستقيم (1/490). وينظر: البدر المنير (9/518)، والصحيحة (‌‌2872).

[2] ينظر: كتاب التوحيد بشرح شيخنا (ص262).

[3] ينظر: مصنف عبد الرزاق (2/122)، والأوسط لابن المنذر (2/318).

[4] أخرجه البخاري (335) - واللفظ له-، ومسلم (521) من حديث جابر رضي الله عنه.

[5] ينظر: مجموع الفتاوى (22/162)، وشرح العمدة (2/515-516).

 

(الفتاوى المحررة)