هل يدخل في الرقية الجائزة رقية النملة؟

السؤال :

ذُكر من شروط الرقية (خلوها من الشرك)، فهل يدخل في الرقية الجائزة رقية النملة ونظائرها؟ ومما وجدت عنها ما يلي:

قَالَ الْأَصْمَعِيُّ: «النَّمْلَةُ هِيَ قُرُوحٌ تَخْرُجُ فِي الْجَنْبِ وَغَيْرِهِ» [المستدرك ٦٨٩١، وغريب الحديث لأبي عبيد ١/٢١٨] وقاله الخليل بن أحمد [العين ن م ل].

وفي السنن عن الشِّفاء بنت عبد الله قالت: دَخَلَ عَلَيَّ النَّبِيُّ ﷺ، وَأَنَا عِنْدَ حَفْصَةَ فَقَالَ لِي: أَلَا تُعَلِّمِينَ هَذِهِ رُقْيَةَ النَّمْلَةِ كَمَا عَلَّمْتِيهَا الْكِتَابَة. أخرجه أبو داود (3887) واللفظ له، وأحمد (27095.

وفي المستدرك: (٦٨٨٨) عن أبي بَكْرِ بْنَ سُلَيْمَانَ بْنِ أَبِي حَثْمَةَ الْقُرَشِيَّ: أَنَّ رَجُلًا مِنَ الْأَنْصَارِ خَرَجَتْ بِهِ نَمْلَةٌ فَدُلَّ أَنَّ الشِّفَاءَ بِنْتَ عَبْدِ اللَّهِ تَرْقِي مِنَ النَّمْلَةِ، فَجَاءَهَا فَسَأَلَهَا أَنْ تَرْقِيَهُ، فَقَالَتْ: وَاللَّهِ مَا رَقَيتُ مُنْذُ أَسْلَمْتُ، فَذَهَبَ الْأَنْصَارِيُّ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَأَخْبَرَهُ بِالَّذِي قَالَتْ الشِّفَاءُ، فَدَعَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الشِّفَاءَ فَقَالَ: اعْرِضِي عَلَيَّ فَأَعْرَضَتْهَا عَلَيْهِ، فَقَالَ: ارقيه، وَعَلَّمِيهَا حَفْصَةَ كَمَا عَلَّمْتِيهَا الْكِتَابَ هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ عَلَى شَرْطِ الشَّيْخَيْنِ وَقَدْ سَمِعَهُ أَبُو بَكْرِ بْنُ سُلَيْمَانَ مِنْ جَدَّتِهِ، [التعليق - من تلخيص الذهبي]٦٨٨٨ - على شرط البخاري ومسلم.

وفيه: (٦٨٨٩) عَنْ كُرَيْبِ بْنِ سُلَيْمَانَ الْكِنْدِيِّ، قَالَ: أَخَذَ بِيَدِي عَلِيُّ بْنُ الْحُسَيْنِ بْنِ عَلِيٍّ رضي الله عنهم حَتَّى انْطَلَقَ بِي إِلَى رَجُلٍ مِنْ قُرَيْشٍ أَحَدِ بَنِي زُهْرَةَ، يُقَالُ لَهُ: ابْنُ أَبِي حَثْمَةَ وَهُوَ يُصَلِّي قَرِيبًا مِنْهُ حَتَّى فَرَغَ ابْنُ أَبِي حَثْمَةَ مِنْ صَلَاتِهِ، ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَيْنَا بِوَجْهِهِ، فَقَالَ لَهُ عَلِيُّ بْنُ الْحُسَيْنِ: الْحَدِيثَ الَّذِي ذَكَرْتَ عَنْ أُمِّكَ فِي شَأْنِ الرُقَيَّةِ، فَقَالَ: نَعَمْ، حَدَّثَتْنِي أُمِّي، أَنَّهَا كَانَتْ تَرْقِي بِرُقَيَةٍ فِي الْجَاهِلِيَّةِ، فَلَمَّا أَنْ جَاءَ الْإِسْلَامُ قَالَتْ: لَا أَرْقِي حَتَّى أَسْتَأْمِرَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ، فَقَالَ لَهَا النَّبِيُّ ﷺ: ارْقِي مَا لَمْ يَكُنْ شِرْكٌ بِاللَّهِ عز وجل

وفيه: (٦٨٩٠) عَنْ الشِّفَاءِ بِنْتِ عَبْدِ اللَّهِ، أَنَّهَا كَانَتْ تَرْقِي بِرُقًى فِي الْجَاهِلِيَّةِ، وَأَنَّهَا لَمَّا هَاجَرَتْ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ قَدِمَتْ عَلَيْهِ، فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنِّي كُنْتُ أَرْقِي بِرُقًى فِي الْجَاهِلِيَّةِ، وَقَدْ رَأَيْتُ أَنْ أَعْرِضَهَا عَلَيْكَ، فَقَالَ: اعْرِضِيهَا فَعَرَضَتْهَا عَلَيْهِ، وَكَانَتْ مِنْهَا رُقْيَةُ النَّمْلَةِ، فَقَالَ: ارْقِي بِهَا وَعَلِّمِيهَا حَفْصَةَ: بِسْمِ اللَّهِ صَلُوبٌ حِينَ يَعُودُ مِنْ أَفْوَاهِهَا وَلَا تَضُرُّ أَحَدًا، اللَّهُمَّ اكْشِفِ الْبَأْسَ رَبَّ النَّاسِ قَالَ: «تَرْقِي بِهَا عَلَى عُودِ كَرْمٍ سَبْعَ مَرَّاتٍ وَتَضَعُهُ مَكَانًا نَظِيفًا، ثُمَّ تُدَلِّكُهُ عَلَى حَجَرٍ وَتَطْلِيهِ عَلَى النَّوْرَةِ». [التعليق - من تلخيص الذهبي]٦٨٩٠ - سئل ابن معين عن عثمان فلم يعرفه.

وقيل: إن رُقْيَةَ النَّمْلَةِ هذه كانتْ كلماتٍ تُقال للعَروسِ لِتَعريفها بِواجِبات الزَّوْجِيَّة، وهي قولهم: "العَروسُ تَحْتَفِلُ، وَتَخْتَضِبُ وَتَكْتَحِلُ، وَكُلُّ شيءٍ تَفْتَعِلُ، غيرَ ألَّا تَعْصي الرَّجُلَ"، وفي هذه الكلمات الوَصِيَّةُ بعدم عِصيان الزَّوجِ، والمُرادُ بهذا مُعاتَبةُ حَفْصَةَ رضِي اللهُ عنها ؛ لأنَّ النَّبيَّ ﷺ قال لها سِرًّا فلمْ تَكْتُمْه، كما في قوله تعالى: وَإِذْ أَسَرَّ النَّبِيُّ إِلَى بَعْضِ أَزْوَاجِهِ حَدِيثًا [التحريم: 3].

هذا ما وجدت بعد البحث، وأود من فضيلتكم التفضل بالبيان عن رقية النملة، وقولكم فيها، لأستنير به في المسألة، أحسن الله إليكم.

الحمد لله وحده، وصلى الله وسلم على نبيِّنا محمد، وعلى آله وصحبه؛ أما بعد:

فإن الرقية الشرعيَّة لابد أن تشتمل على شيء من ذكر الله ودعائه، ولهذا كانت الفاتحة أعظم رقية- ومن أسمائها الشافية-[1]؛ لاشتمالها على التوحيد قولًا وفعلًا، ولكونها استعانة بالله واستهداءً به، كما جاء في قصة الصحابيِّ الذي رقَى سيِّد القوم بالفاتحة، فقال له النبي ﷺ: وما أدراك أنها رقية؟! متفق عليه من حديث أبي سعيد رضي الله عنه[2]، وأمَّا ما ورد من رقية النملة، فقد وردت بلفظين–كما جاء في السؤال–؛ أحدهما فيه ذكر الله بالتسمية والدعاء، وفيه لفظ لم يظهر معناه، وهو قوله: "صلوب يعود من أفواهها"[3]؛ فإن صحَّ عن النبي ﷺ فلا إشكال فيه، وتسنَّ رقية النملة به؛ لأن النبي ﷺ أقرَّه، وأمر به، كما جاء في الرواية.

وأمَّا اللفظ الآخر المتضمِّن لقوله: "العروس تحتفلْ، وتختضبْ وتكتحلْ" إلخ[4]، فهو لفظ لا يمتُّ إلى الرقية بوجه، ولا يجوز نسبة الإرشاد به في الرقية إلى النبي ﷺ؛ لأن هذا النوع لا يليق بجنابه ﷺ؛ فجعْلُه رقيةً منكرٌ، لفظا ورواية، وهو حقيقٌ بأن يكون من رُقَى الجاهلية، وهو وإن لم يكن فيه شرك فليس فيه توحيد، ولا معنى مفيد، فلا يجوز اعتباره ولا الاعتداد به في أدعية الرقية. والله أعلم.

أملاه:

عبدالرحمن بن ناصر البراك

حرر في 1 رمضان 1447ه

 


 

[1] لما أخرجه الدارمي (3573) عن عبد الملك بن عمير، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «في ‌فاتحة ‌الكتاب ‌شفاء ‌من ‌كل ‌داء». وهذا مرسل. وينظر: الكشاف (1/106)، والبحر المحيط (1/55).

[2] أخرجه البخاري (5736)، ومسلم (2201).

[3] أخرجه الحاكم (6890) سكت عليه الحاكم. وقال الذهبي في المختصر (832): "فيه عثمان بن عمر بن عثمان العدوي، سئل ابن معين عنه فلم يعرفه ". وقال الألباني: " وهذه الطريق مع ضعفها وكذا التي قبلها، فلا بأس بهما في المتابعات"، وينظر: الصحيحة (‌‌178).

 وفي طبعة المنهاج القويم (8/142): " صَلُوتٌ " وأشاروا لنسخة: "صلوات ". وقال الألباني في الصحيحة (1/ 345): ""صلوب)"كذا ولم أعرف له معنى، ولعله -إن سلم من التحريف- لفظ عبري. والله أعلم".

[4] نقل بنحوه في كتب اللغة عن عبد العزيز بن ‌عمر ‌بن ‌عبد ‌العزيز. ينظر: تهذيب اللغة (9/231)، والنهاية (5/120).

 

(الفتاوى المحررة)