هل تكلم الله بالقرآن حين كتابته في اللوح المحفوظ ثم عند إيحائه إلى جبريل؟

السؤال :

هل وقع كلام الله تعالى بالقرآن حين كتابته في اللوح المحفوظ، ثم كلامه به أيضا حين نزوله على محمد ﷺ؟ بيِّنوا لنا الجواب بالتفصيل، ولكم من الله الثواب الجزيل.

الحمد لله وحده، وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه؛ أما بعد:

فمن المقطوع به أن القرآن كلامُ الله، تكلَّم به كيف شاء، كما أنَّ من المقطوع به أن القرآن مكتوبٌ في اللوح المحفوظ، كما قال تعالى: بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَجِيدٌ (21) فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ [البروج: 21-22]، وإذا كان الله تعالى تكلَّم بالقرآن حين كتابته، ثم تكلَّم به عند إيحائه إلى جبريل عليه السلام، فليس في هذا ما يشكل؛ فالقادر على الكلام متى شاء، لا يمتنع عليه أن يتكلَّم بما شاء، مرة أو مرتين أو أكثر من ذلك، وقد قال كثير من العلماء: إن الله أنزل الفاتحة مرتين[1]، وهذا يتضمَّن أنه تعالى تكلَّم بها مرتين، وفي القرآن آيات تكلَّم الله بها مرتين وأكثر، فقوله تعالى: فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ [الرحمن: 13] آيةٌ تكلَّم الله بها إحدى وثلاثين مرة، وقوله تعالى: وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ فَاخْتُلِفَ فِيهِ وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ وَإِنَّهُمْ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مُرِيبٍ [هود: 110] آيةٌ وردت في القرآن مرتين: إحداهما في سورة هود، والأخرى في سورة حم السجدة، إلى غير ذلك من الآيات المثنَّاة في القرآن، وهذا كلُّه تابع لمشيئته تعالى وحكمته.

ويتصل بهذا إنزالُ القرآن؛ فقد جاء عن ابن عباس رضي الله عنه أن القرآن أُنزل كلّه من اللوح المحفوظ جملةً في ليلة القدر إلى بيت العزَّة في السماء الدنيا، رواه ابن جرير[2]، ثم أَنزل الله القرآن مفرَّقًا حسب الأسباب التي قدَّرها، وتكلَّم تعالى بما شاء في كل شأن اقتضى إنزال شيء من القرآن، وقد أخرج البخاري في صحيحه عن ابن مسعود رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: إن الله يحدث من أمره ما يشاء، وإن ممَّا أحدث: ألَّا تكلَّموا في الصلاة[3].

وعودًا إلى كتابة القرآن في اللوح المحفوظ نعلم أن كتابته على معنى أنه سيكون، وأنه تعالى سيتكلم به عند وجود مقتضيه؛ فإن القلم الذي كُتِب به القدر جرى بما سيكون من أفعاله تعالى ومفعولاته، وكلامه تعالى من أفعاله؛ ولا يلزم من ذلك أن نقول: إن الله تكلَّم بالقرآن عند كتابته في اللوح المحفوظ، كتكلُّمه في إيحائه إلى جبريل بصوت يسمعه، وهو تعالى قادر على ذلك؛ فالحاصل أن ما تكرر من آيات القرآن أو سوره، فالله تكلَّم به كذلك. والله أعلم.

أملاه:

عبدالرحمن بن ناصر البراك

حرر في 25 شعبان 1447ه

 


 

[1] ينظر على سبيل المثال: تفسير السمرقندي (1/15)، والثعلبي (2/263-264)، (15/506)، والتيسير في التفسير (1/75).

[2] تفسير الطبري (3/188-189). وينظر: مجموع فتاوى الشيخ محمد بن إبراهيم (1/214).

[3] علقه البخاري في كتاب: "التوحيد"،" ‌‌باب قول الله تعالى {كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ (29)} [الرحمن: 29] " عند حديث (7522). وأخرجه أبو داود (924)، والنسائي في الكبرى (564)، وصححه ابن حبان (2243)، (2244). وينظر: تغليق التعليق (5/361)، وصحيح سنن أبي داود (857).

 

(الفتاوى المحررة)