توجيه كلام الشيخ سليمان بن عبد الله في إنكار النهي عن تحديث الناس بنصوص الصفات

السؤال :

جاء في كتاب التوحيد للشيخ محمد بن عبد الوهاب رحمه الله في "باب من جحد شيئًا من الأسماء والصفات" ذكر المصنف فيه أثر علي -رضي الله عنه: "حدثوا الناس بما يعرفون..."، وذُكر أن ذلك يدل على أنه يدخل في كلام علي بعض نصوص الصفات، لكن أشكل علي كلام للشيخ سليمان بن عبدالله -رحمه الله- في شرحه نقل عن ابن حجر قوله: "وممن رأى التحديث ببعضٍ دون بعضٍ أحمدُ في الأحاديث التي ظاهرها الخروج على السلطان، ومالك في أحاديث الصفات، وأبو يوسف في «الغرائب» .." إلخ. قال الشيخ سليمان بعده: "وما ذكره عن مالك في أحاديث الصفات ما أظنه يثبت عن مالك، وهل في أحاديث الصفات أكثر من آيات الصفات التي في القرآن؟ فهل يقول مالك أو غيره من علماء الإسلام: إن آيات الصفات لا تتلى على العوام، وما زال العلماء قديمًا وحديثًا من أصحاب النبي ﷺ ومن بعدهم يقرؤون آيات الصفات وأحاديثها بحضرة عوام المؤمنين وخواصهم، بل شرط الإيمان هو الإيمان بالله، وصفات كماله التي وصف بها نفسه في كتابه، أو على لسان رسوله ﷺ، فكيف يُكتم ذلك عن عوام المؤمنين؟! بل نقول: مَن لم يؤمن بذلك فليس من المؤمنين، ومن وَجد في قلبه حرجًا من ذلك، فهو من المنافقين. ولكن هذا من بدع الجهمية وأتباعهم الذين ينفون صفات الرب تبارك وتعالى، فلما رأوا أحاديث الصفات مبطلة لمذاهبهم، قامعة لبدعهم تواصوا بكتمانها عن عوام المؤمنين، لئلا يعلموا ضلالهم، وفساد اعتقادهم، فاعلم ذلك. وفي الأثر دليل على أنه إذا خشي ضرر من تحديث الناس ببعض ما يعرفون، فلا ينبغي تحديثهم به، وليس ذلك على إطلاق، وإن كثيرًا من الدين والسنن يجهله الناس، فإذا حدِّثوا به كذبوا بذلك وأعظموه، فلا يَترك العالم تحديثهم، بل يعلِّمهم برفق، ويدعوهم بالتي هي أحسن" أهـ.

فهل في تقرير الشيخ سليمان مخالفة لما أراده المصنف؟ وهل مراد المصنف مستقِّر عند أهل العلم أو جمهورهم؟ أحسن الله إليكم.

الحمد لله وحده، وصلى الله وسلم على محمد، وعلى آله وصحبه؛ أما بعد:

فقد أمر الله ببيان الكتاب، وتوعَّد الذين يكتمون ما أنزل من البينات والهدى؛ فمَن كتم ما كتم الله فقد عصى الله، واستحقَّ الوعيد، وأمَّا من كتم بعض ذلك عن بعض الناس؛ لأمر يقتضي ذلك، فلا حرج في هذا، بل هو المشروع، ومِن هذا عدمُ ذكر نصوص الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر عند الخوارج؛ لأن من أصولهم الأمر بالمعروف والنهي المنكر، ويدخلون في ذلك الخروج على ولاة الأمر، وكذلك الذين أسرفوا على أنفسهم بالذنوب، لا يناسب أن تذكر لهم نصوص الوعد ومغفرة الذنوب بالتوحيد، كقوله تعالى في الحديث القدسي الذي رواه الإمام أحمد والترمذي: يا ابن آدم؛ إنك لو أتيتني بقراب الأرض خطايا، ثم لقيتني لا تشرك بي شيئا؛ لأتيتك بقرابها مغفرة[1]؛ فإن ذلك يجرِّئهم على الذنوب، وقد ينتهي بهم إلى الأمن من مكر الله، وكذا من غلب عليه الخوف من الذنوب، لا تذكر له أحاديث الوعيد؛ فإن ذلك قد يفضي به إلى القنوط واليأس من رحمة الله.

ففي هذه الأنواع مراعاةٌ لحال مَن تذكر له النصوص، من الخوارج والمسرفين على أنفسهم بالخطايا، ومَن اشتدَّ خوفه من الله بسبب الذنوب؛ فكتمان هذه الأنواع من النصوص مشروعٌ، بل قد يكون واجبًا؛ لما يفضي إليه ذكرُها من المفاسد: من الخروج على الأئمة، والأمن مِن مكر الله، والقنوط مِن رحمة الله.

 وهناك نوعٌ آخر، وهو ما يُكتم عن بعض الناس؛ لقصور عقولهم، فيفهمون منه ما لا يجوز، ولا يفهمون المراد، وذلك كبعض نصوص الصفات، كحديث أبي هريرة رضي الله عنه المتفق عليه: خلق الله آدم على صورته[2]، وحديث أبي سعيد الخدريِّ في البخاري: تكون الأرض يوم القيامة خُبزة واحدة، يتكفؤها الجبار بيده، كما يكفأ أحدكم خبزته في السفر، نُزلا لأهل الجنة[3].

فقاصر الفهم لا يسبق إلى فهمه إلا التشبيه، وهذا هو الذي ذكره الشيخ الإمام محمد بن عبد الوهاب رحمه الله، فيما نقله عن علي رضي الله عنه، وهو في صحيح البخاري: حدثوا الناس، بما يعرفون، أتحبون أن يكذَّب الله ورسوله[4]، ويشهد له ما أخرجه مسلم عن ابن مسعود رضي الله عنه قال: ما أنت بمحدِّث قوما حديثا لا تبلغه عقولهم، إلا كان لبعضهم فتنة[5]، فهذا النوع هو الذي قصد الإمام عدمَ تحديث بعض الناس به.

فبهذه الأمثلة من نصوص الوعد والوعيد، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وبعض نصوص الصفات، يتبيَّن مراد الإمام المصنِّف في كتاب التوحيد، في "باب من جحد شيئًا من الأسماء والصفات"[6]، وكلُّ هذه الأنواع ليس فيها كتمانٌ عامٌّ للنصوص عن عموم الناس، بل هو من كتمان البعض عن البعض.

أمَّا ما ذكره الشيخ سليمان بن عبد الله آل الشيخ رحمه الله من إنكار النهي عن تحديث الناس بنصوص الصفات[7]، فمراده إنكار ما يقول به بعض المبتدعة من نفاة الصفات؛ فإنهم يكرهون سماعها، وينهون عن إسماعها للعامَّة مطلقًا، ولا شكَّ أن هذا باطل، وبهذا يرتفع الإشكال المتوهَّم في كلام الشيخ سليمان رحمه الله.

ومختصر القول: إنه يجوز كتمان بعض النصوص عن بعض الناس، ولا يجوز كتمان شيء من النصوص عن جميع الناس. والله أعلم.

أملاه:

عبدالرحمن بن ناصر البراك

حرر في 10 شعبان 1447ه

 


 

[1] أخرجه الترمذي (3540)، والطبراني في الأوسط (4305). قال الترمذي: "هذا حديث حسن غريب، لا نعرفه إلا من هذا الوجه"، وقال ابن رجب في جامع العلوم والحكم (2/400): "إسناده لا بأس به..." وينظر: الصحيحة (‌‌127). وأخرجه أحمد (13493) عن أنس بلفظ: "والذي نفسي بيده - أو: والذي نفس محمد بيده - لو خطئتم حتى تملأ خطاياكم ما بين السماء والأرض، ثم استغفرتم الله، لغفر لكم. والذي نفس محمد بيده - أو: والذي نفسي بيده - لو لم تخطئوا، لجاء الله بقوم يخطئون ثم يستغفرون الله فيغفر لهم".

[2] أخرجه البخاري (6227)، ومسلم (2841) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.

[3] أخرجه البخاري (6520).

[4] أخرجه البخاري (127).

[5] في مقدمة صحيحة (1/9).

[6] ينظر: كتاب التوحيد بشرح شيخنا -ط 2- (ص605).

[7] ينظر: فتح الباري (1/225)، وتيسير العزيز الحميد – الصميعي- (2/996-997).

 

(الفتاوى المحررة)