الحمد لله وحده، وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه؛ أما بعد:
فكلُّ ما يُذكر من التقسيمات في مسائل الأحكام أو مسائل الاعتقاد، كلُّها أمور نظريَّة استنباطيَّة، ليس فيها ما هو نقل عن الرسول ﷺ أو الصحابة رضي الله عنهم، بل ينقلها الناس بعضهم من بعض، ويقتدي اللاحق منهم بالسابق؛ فأهل السنة منهم من جعل أنواع التوحيد ثلاثة[1]، ومنهم من جعلها قسمين[2]، وتفرع عن ذلك تقسيم الشرك تبَعا لأقسام التوحيد؛ فيقولون: شركٌ في الربوبيَّة، وشركٌ في الإلهية أو في العبادة، وشركٌ في أسماء الله وصفاته، وهو تشبيه المخلوق بالخالق في شيءٍ من أسمائه تعالى وصفاته[3]، وقسموا الشرك إلى أصغر وأكبر باعتبار ما يوجب الردة وما لا يوجبها، وما يُغفر وما لا يُغفر[4]، وأحدث بعض المتأخرين توحيد الحاكميَّة، ويقابله الشركُ في الحاكمية، وترجع التقسيمات دائما إلى اعتبارات يراعيها من يذكر التقسيم.
إذا علم هذا فأقول: إن التقسيم الذي ذكره الأخ السائل عن قاضي زاده[5] وغيره، مراعًى فيه قصدُ العابد، ونوعُ المعبود، ويوضح هذا النظرُ في كلِّ قسم:
فأمَّا الأول، وهو الاستقلاليُّ، فهو شركُ المجوس، أو مِن جنسه، وهو جامعٌ بين الشرك في الربوبيَّة والعبادة، وهؤلاء لا يذكرون الله، كما تقول الثَّنَويَّة: إن للكون خالقَين وإلهين، هما النور والظلمة[6]، فشركهم ليس شركًا في الله، بل باعتبار تعدد الإله عندهم؛ لأنهم لا يعرفون الله، وخيرٌ منهم من يعبُد بعض المخلوقات، ويجعلها ندًّا لله في استحقاق العبادة، كعبَّاد الكواكب والأصنام، وكلٌّ من الفريقين في ضلال مبين.
وأمَّا الثاني، وهو التبعيضيُّ، فهو قول من يقول من النصارى بالأقانيم الثلاثة، ويجعلونها آلهة، ثم يختلفون في تفسيرها، والمشهور أنهم يجعلونها من صفات الله، فعندهم أُقنوم الكلمة، وأقنوم الحياة، وبعضهم يذكر أقنوم الوجود وأقنوم القدرة[7].
وصاحب التقسيم المذكور، وهو قاضي زاده، كأنه أخذ هذا القسم (التبعيضي) ممَّا ذكروه في تفسير الأقانيم[8] ببعض صفات الله، فسمَّاه قاضي زاده شرك البعضيَّة، وهذا اصطلاحٌ له، ولا أعلم أحدا قبله عبَّر عن شرك النصارى بشرك البعضيَّة.
وأمَّا الثالث، وهو الشرك التقريبيُّ، والأولى أن يعبِّر عنه بشرك التقرُّب، فهو شرك العرب الذي ذكره الله في كتابه في قوله سبحانه عن المشركين: مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى [الزمر: 3]، فاتخذوا معبوداتهم وسائط بينهم وبين الله، زاعمين أنها تقربهم إلى الله، وتشفع لهم، قال تعالى: وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلَاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ [يونس: 18]، وهذا ممَّا ينصُّ عليه أهل السنة أنه شركٌ في العبادة[9].
وأمَّا التقليدي فلا يخرج عن الأقسام السابقة؛ لأن أهله ليس لهم مذهب يختصون به، بل هم مقلدون لغيرهم.
وأمَّا شرك الأسباب، وهو شرك الفلاسفة، كما سمَّاه قاضي زاده، فكذلك لا يخرج عن بعض ما سبق، بل هو نوع من القسم الأول (الاستقلالي).
وأمَّا القسم السادس الذي ذكره بعضهم، وسمَّاه شرك الإعراض، فالمراد به الإعراض عمَّا جاء به الرسول ﷺ، ولا يتصور شركٌ في معنى الإعراض؛ فمَن ذكره يحتاج إلى تفسيره، وجميع أصحاب المذاهب المتقدمة داخلون في الإعراض عمَّا جاء به الرسول ﷺ، لا أقول: في شرك الإعراض؛ لما تقدَّم.
فتييَّن بهذا أن ما ذكره قاضي زاده من تقسيم الشرك ملفَّقٌ من مذاهب الطوائف من العرب وغيرهم من المجوس والنصارى والفلاسفة.
وأمَّا قوله: "ومن لم يحذر من أنواع الشرك الخمسة هذه، ولم يعرف صفات الله عز وجل؛ فإنه سيدخل في النار" إلخ، فمضمونه أنَّ من لم يعرف الله، وعبد غير الله على أيِّ مذهب من هذه المذاهب، فإنه سيدخل النار؛ لأنه لم يعرف الله، وعبَد غيره، فهو كافرٌ مشركٌ، والله أعدَّ النار للكافرين، وهذا المعنى متفقٌ عليه بين المسلمين، فما ذكره زاده من هذا الحكم حقٌّ، لكنه لم يأت فيه بجديد، فالتشاغل به غير مفيد، فينبغي الاكتفاء بتقسيم أهل السنة للشرك والتوحيد؛ فإنه مختصرٌ ومستنبطٌ من الكتاب والسنة، جعلنا الله وإيَّاكم من أهل السنة. والله أعلم.
أملاه:
عبدالرحمن بن ناصر البراك
حرر في 23 رمضان 1447ه
[1] ينظر على سبيل المثال: الحجة في بيان المحجة (1/34 رقم 27)، والإبانة (6/172-173)، وتفسير الطبري (20/356-357).
[2] ينظر على سبيل المثال: منهاج السنة (3/290-293)، ومجموع الفتاوى (15/164)، ومدارج السالكين (4/449).
[3] ينظر: تيسير العزيز الحميد (1/133-136)، والدرر السنية (2/307-308).
[4] ينظر: تعظيم قدر الصلاة (2/526)، ومدارج السالكين (1/523-534).
[5] وهو محمد بن مصطفى بن محمد الحنفي، الباليسكري، الرومي، المعروف بـ "قاضي زاده": وعظ بآيا صوفية، وله كتب ومنها: "رسالة في الميزان"، و"إرشاد العقول السليمة إلى الأصول القويمة لإبطال البدع السقيمة" وغيرها. توفي سنة (1044). ينظر: كشف الظنون (1/350)، (4/116)، (4/179)، ومعجم المؤلفين (12/33).
[6] ينظر: الملل والنحل (2/49)، واعتقادات فرق المسلمين والمشركين (ص88).
[7] ينظر: الجواب الصحيح (3/189-190)، (3/292-293)، (4/76)، وتحقيق القول في مسألة: عيسى كلمة الله والقرآن كلام الله لابن تيمية (ص54).
[8] والأقانيم: الأصول، واحدها أقنوم؛ قال الجوهري: وأحسبها رومية، وقيل: كلمة يونانية، ويعني بها النصارى: الأصل الذي كانت عليه حقيقة إلههم. ينظر: لسان العرب (12/496)، ودستور العلماء (1/404).
[9] ينظر: شرح نواقض الإسلام لشيخنا (ص20).
