حكم المبالغة في القراءة بأحكام التجويد

السؤال :

المستمع لبعض تلاوات القرآن، يلحظ عند بعض القراء مبالغات في التجويد، مما يتسبب عنه إخراج بعض الحروف على غير وضعها الصحيح، أو تولد حرف آخر من حرف. فما توجيهكم في ذلك؟ حفظكم الله.

الحمد لله وحده، وصلى الله وسلم على من لا نبي بعده؛ أما بعد:

فإن علم التجويد الذي يتضمن طريقةً في تلاوة القرآن من المدود المقدَّرة بالحركات، والمبالغة في إخراج بعض الحروف، والقلقلة الصغرى والكبرى، وما يلتحق بذلك من أحكام النون والتنوين والميم الساكنة؛ هذا العلم لا يعرف قبل أبي مزاحم الخاقاني المتوفى سنة خمس وعشرين وثلاث مئة[1]، فقد ذكر ابن الجزري أنه أول من صنَّف في علم التجويد[2]، كما في كتابه "غاية النهاية"[3] ، فالخاقاني هو مبتدع هذا العلم، ولعل ابن الجزريِّ أخذه عنه، ثم اشتهر ابن الجزري بهذا العلم، وصنَّف فيه المصنفات، وبالغ في تعظيمه، حتى زعم أن قراءة القرآن بدونه حرام، وأن القرآن أُنزل بهذه الكيفيَّة، ممَّا يتضمَّن أن الله تكلَّم به، وذلك في قوله[4]:

والأخذُ بالتجويد حتمٌ لازمُ ... من لم يجوِّد القران آثمُ

لأنه به الإلهُ أَنزلا ... وهكذا منه إلينا وَصلا [5]

وتبعه على ذلك من تلقَّاه عنه، وربما زادوا عليه في تقديرات المدود، كما في مدِّ الألف في آخر الفاتحة: وَلَا الضَّالِّينَ؛ فالأصل عندهم أنه يمدُّ ستَّ حركات[6]، وكثير من القرَّاء من الأئمة وغيرهم لعلهم يمدونه عشر حركات، وأفضى بقومٍ الالتزامُ بقواعد التجويد إلى التقعر والتكلف، حتى إن ذلك ليظهر على وجه القارئ، كما يُرى في بعض القرَّاء المعروفين، وذلك كلُّه يناقض قوله تعالى: وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ [القمر: 17].

 وقام النبي -صلى الله عليه وسلم- ذات ليلة مع بعض أصحابه بالبقرة والنساء وآل عمران[7]، أتراه يقرؤه بالتجويد المعروف الآن؟! وكان النبي -صلى الله عليه وسلم- يصلي الفجر بالستين إلى المئة[8]، ألا يلزم من ذلك المشقة على المصلين لو كان يقرأ بالتجويد المعروف؟! وقدَّر بعض الصحابة ما بين سحور النبي -صلى الله عليه وسلم- وصلاة الفجر بخمسين آية[9]، واعتبرْها من الآيات المتوسطة، لو قرئت بالتجويد لكانت المدة طويلة.

 يضاف إلى ذلك ما ورد في السؤال من أن بعض أحكام التجويد تغيِّر الحرف صفته، وربما أفضى مراعاة حكم التجويد إلى تغيير صفة الحرف، أو أنتج زيادة حرف، بل ربما أفضى إلى تغيير إعراب الجملة، وأكثر ذلك في القلقلة الصغرى التي تكون وسط الكلمة، ومثال ذلك في قوله تعالى: وَلْيَدْعُ رَبَّهُ [غافر: 26]، فإن المبالغة في القلقلة تحرِّف المعنى من الدعاء إلى معنى الودْع الذي هو الترك[10]، ومن ذلك قوله تعالى: وَمِنْهُمْ مَنْ أَغْرَقْنَا [العنكبوت: 40]؛ فإن الأصل أن الضمير (نا) في موضع رفع فاعل، وبالقلقلة يصير في موضع نصب مفعولًا[11].

فظهر أن المبالغة في القلقة تفضي بالكلمة إلى تحريف في اللفظ والمعنى، ولا ريب أن الواجب في التلاوة من التجويد ما يحصل به وضوح الكلمة للسامع، وذلك بالنطق بها على الفطرة دون تقعُّر ولا تكلُّف ولا سرعة مفرطة في القراءة، ممَّا يؤدي إلى سقوط بعض الحروف أو بعض الكلمات، فاتقوا الله – أيها القراء – واقتصدوا في صفة تلاوة القرآن. نفعنا الله وإيَّاكم بكتابه، وجعله حجَّة لنا، لا علينا[12]. والله أعلم.

أملاه:

عبدالرحمن بن ناصر البراك

حرر في 25 رمضان 1447ه

 

[1] أبو ‌مزاحم موسى بن عبيد الله بن يحيى: الإمام، المقرئ، المحدث، من أولاد الوزراء. سمع من عباس الدوري، وأبي بكر المروري. وجوَّد القرآن على الحسن بن عبد الوهاب، صاحب الدوري، وبرع في قراءة الكسائي. مات في ذي الحجة سنة خمس وعشرين وثلاث مائة. ينظر: معرفة القرَّاء الكبار (ص155)، وغاية النهاية (2/320).

[2] وهي قصيدة رائية، اشتهرت بـ "‌الخاقانية"، ومن أحسن طبعاتها: طبعة عبد العزيز القاري، وطبعة عزير شمس.

[3] (2/320).

[4] المقدمة الجزرية – ط المغني- (ص36).

[5] قال شيخنا في "نصوص وتعليقات" –الطبعة الثانية-: "فيتضمن أن أحكام التجويد نزل بها جبريل، وتلا جبريل القرآن على الرسول بهذه الأحكام، وفي هذا افتراء على الله فهو زعم منكر بل يتضمن أن الله تكلم بالقرآن بأحكام التجويد، وهذه أطم من التي قبلها في القول على الله بغير علم، وهو من تكييف تكلم الله بالقرآن، والذي يجب القطع به أن الله تكلم بالقرآن: كيف شاء منزهًا عن التعطيل والتشبيه والتكييف، وهذا الزعم من أقبح الغلو في تعظيم أحكام التجويد".

[6] ويسمونه المد اللازم الكلمي المثقَّل: وهو الذي يأتي فيه بعد حرف المد حرفٌ مشدَّد. ينظر: العميد في التجويد (ص118).

[7] أخرجه مسلم (772) من حديث حذيفة رضي الله عنه.

[8] أخرجه البخاري (547)، ومسلم (647) من حديث أبي برزة الأسلمي رضي الله عنه.

[9] أخرجه البخاري (576)، ومسلم (1097) من حديث أنس رضي الله عنه.

[10] ينظر: لسان العرب (8/384).

[11] فتُسمع: "أغرقَنا" بفتح القاف.

[12] ينظر: مجموع الفتاوى (16/50)، وزغل العلم للذهبي (ص25).

(الفتاوى المحررة)