الحمد لله وحده، وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه؛ أما بعد:
فقد قال صلى الله عليه وسلم: إنما الأعمال بالنيات الحديث، متفق عليه عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه[1]؛ فدل الحديث على أن النيَّة أصلٌ لاعتبار العمل؛ فأيُّ عبادة دخل فيها العبد بلا قصد لها فلا تصح ولا تجزئ، فضلًا عن أن يترتب عليها ثواب، كما يدل الحديث على أنه ليس للعامل من عمله إلا ما نوى؛ لقوله صلى الله عليه وسلم في حديث عمر السابق: وإنما لكل امرئ ما نوى.
والواجب على العبد أن يطلب بعمله ثواب الدنيا والآخرة رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ [البقرة:201] والمؤمنُ صحيحُ الإيمانِ الأصلُ عنده أن يريد ثواب الآخرة من مغفرة الله وجنته، ولا يريد ثواب الدنيا إلا تبعًا.
أمَّا مَن لا يريد بعمله ثواب الآخرة فليس بصحيح الإيمان، فضلًا عمَّن لا يريد بعمله إلا الثواب العاجل في الدنيا، أمَّا من يريدهما بعمله فلا يقدح ذلك في إيمانه؛ ولهذا أثنى الله على الناس الذين يقولون: "ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة"، أمَّا الذَّم والوعيد فيختص بمن لا يريد بعمله إلا ثواب الدنيا؛ لقوله تعالى: فَأَعْرِضْ عَنْ مَنْ تَوَلَّى عَنْ ذِكْرِنَا وَلَمْ يُرِدْ إِلَّا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا [النجم: 29]، وقوله تعالى: مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ لِمَنْ نُرِيدُ ثُمَّ جَعَلْنَا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلَاهَا مَذْمُومًا مَدْحُورًا [الإسراء: 18]، وهذا لا يقع إلا من الكافر؛ لأنه لا يؤمن بالآخرة أصلًا.
أمَّا المؤمن فلا بد أن يطلب ثواب الآخرة، ولا يضره أن يطلب مع ذلك ثواب الدنيا، والناس في هذا المقام مختلفون؛ فالصوفية لا يطلبون من الله ثوابًا، لا عاجلًا ولا آجلًا[2]، والكفَّار ومَن أشبههم في حبِّ الدنيا لا يريدون إلا الحياة الدنيا، أمَّا المؤمن بالله واليوم الآخر فإنه يطلب كلَّ ما وعده الله به من ثواب عاجل أو آجل. هذا موجَب إيمانه.
إذا عُلِم هذا فأقول: مَن لا يريد بأذكاره وأوراده إلا تحصين نفسه وأهله وماله، ولا يرجو ثوابًا في الآخرة، ولا يفكر فيه فهو شبيه بمن قال الله فيهم: فَأَعْرِضْ عَنْ مَنْ تَوَلَّى عَنْ ذِكْرِنَا وَلَمْ يُرِدْ إِلَّا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا [النجم:29]، وعندي أن هذه الصورة لا تُتصوَّر إلا ممَّن لا يؤمن بالله واليوم الآخر، وإن وقع ذلك مِن مسلم دلَّ على خَلَلٍ في أصل إيمانه بالآخرة، ومَن لم يؤمن بالآخرة وما أعدَّ الله فيها مِن ثواب وعقاب فليس بمؤمن أصلًا.
وهذا الصورة الذي ذكرها بعض المشايخ في أيام قريبة في مقطع متداول، لا تتصور من مؤمن بالله واليوم الآخر، وكذلك ما ذُكر عن الشيخ محمد بن عبد الوهاب الأشبه عندي أنها مسألة فرضية غير واقعة. إذن فيجب على المؤمن أن يُخلص عمله لله، ومن كمال إخلاصه أن يريد بعمله ثواب الآخرة تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا وَاللَّهُ يُرِيدُ الْآخِرَةَ [الأنفال: 67]، وقال تعالى: وَمَنْ أَرَادَ الْآخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ كَانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُورًا [الإسراء:19].
وممَّا يوضح المقام أن المجاهدين في سبيل الله هم ثلاثة أصناف[3]:
الأول: وهو أفضلهم، مَن يطلب بجهاده ما أعدَّ الله للمجاهدين من الكرامة، وهي الجنة، وقد لا تخطر بقلبه الغنيمة.
الثاني: مَن يطلب بجهاده الأجر والغنيمة، وهذا الذي ضمن الله أن يُرجعه إلى أهله، نائلًا ما نال مِن أجر أو غنيمة.
الثالث: مَن لم يُرد مِن جهاده إلا الغنيمة، وهذا لا يُتصوَّر إلا مِن منافق. نعوذ بالله من الخذلان، وطاعة الشيطان. والله أعلم.
أملاه:
عبدالرحمن بن ناصر البراك
حرر في 24 شوال 1447ه
[1] أخرجه البخاري (1) -واللفظ له-، ومسلم (1907).
[2] نقل عن جماعة منهم أنهم لا يعبدون الله خوفًا من ناره ولا طمعًا في جنته. ينظر: إحياء علوم الدين (4/ 310). وينظر الرد عليهم في: الاستقامة (2/104) وما بعدها، والنبوات (1/334-344).
[3] ينظر: جامع العلوم والحكم (1/81-82).
