حكم تحري بعض الأيام الفاضلة لرواية الأحاديث المسلسلة

السؤال :

ما حكم تحري بعض الأيام الفاضلة لرواية الأحاديث المسلسلة، مثل: تحري يوم العيد أو عاشوراء لرواية حديث المسلسل بيوم العيد، أو عاشوراء. وجزاكم الله خيرا وبارك الله فيكم.

الحمد لله وحده، وصلَّى الله وسلَّم على نبيِّنا محمد، أما بعد:

فإذا كان اليوم الفاضل كيوم عاشوراء أو العيد هو ما وقع به التسلسل، كالمسلسل بيوم عاشوراء[1]، أو المسلسل بعيد الفطر[2]؛ فإنه يجوز تحرِّيه؛ لأن تحرِّيَه تحقيقٌ للتسلسل، وعليه فما وقع فيه التحرِّي يكون تتمَّة للسلسلة، وحينئذ فليس فيه تخصيص له بعبادة.

أمَّا إذا كان التسلسل بأمر آخر من قول أو فعل أو حال كالمسلسل بالأوَّليَّة[3]، أو بقراءة سورة الصف[4]، فلا يجوز تحرِّي يوم من الأيام الفاضلة لقراءة ذلك الحديث؛ لأن تحرِّي اليوم الفاضل لرواية حديث معيَّن كحديث: «من عمل عملًا ليس عليه أمرنا فهو ردٌّ»[5] تعبُّدٌ لله بغير دليل، فيكون بدعة، ولهذا لا يجوز تحرِّي يوم من الأيام الفاضلة لرواية هذا الحديث؛ إذْ لا دليل عليه، ولهذا لم يكن من عادة السلف تحرِّي يوم فاضل لرواية حديث معيَّن، بل يروون الأحاديث كما يتفق لهم زمانًا ومكانًا.

هذا، ومن المعروف عند أهل الحديث أن التسلسل في إسناد بعض الأحاديث هو لطيفةٌ من لطائف الإسناد، وعلى هذا فلا يكون التسلسل عندي كذلك إلا إذا وقع اتفاقا، لا تقصُّدًا؛ لأن ما كان متعمَّدًا ليس فيه طرافة؛ إنما الذي يكون بهذه الصفة ما يقع صدفة، ولا أعلم من نبَّه على ذلك، فليتدبَّر.

وأضيفُ أن التسلسل في أمر من الأمور ليس له أثرٌ في حكم الإسناد، أو في حكم الحديث؛ فالمسلسل كغيره من الأحاديث؛ قد يكون صحيحًا أو حسنًا أو ضعيفًا، فالحكم عليه يكون بحسب ما تحقق فيه من قواعد المحدِّثين في الحكم على الحديث، ولهذا ذكر عن بعض الأكابر من أهل الشأن أن الغالب على الأحاديث المسلسلة الضعف، وهو الذهبي؛ فإنه قال في كتاب "الموقظة"[6]: "وعامة المسلسلات واهية، وأكثرها باطلة، لكذب رواتها" اهـ، وأصح ما وقع فيه التسلسل الحديثُ المسلسل بقراءة سورة الصف، كما نص على ذلك الذهبي في الموقظة[7]، وابن حجر في فتح الباري[8]. والله أعلم.

أملاه:

عبدالرحمن بن ناصر البراك

حرر في 18 محرم 1448هـ


 

[1] وهو حديث أبي قتادة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال في صيام يوم عاشوراء: إني أحتسب على الله أن يكفر السنة التي قبلها أخرجه مسلم (1162). وينظر: المناهل السَّلسَلَة في الأحاديث المسلسلة (1/15)، والعجالة في الأحاديث المسلسلة (ص32).

[2]  وهو حديث ابن عباس مرفوعًا: يا أيها الناس قد أصبتم خيرًا، فمن أحب أن ينصرف فلينصرف، ومن أحب أن يقيم حتى يسمع الخطبة فليقم. ينظر على سبيل المثال: مسلسل العيدين للكتاني وللخطيب البغدادي، ومسلسل العيدين للصيرفي، الأحاديث العيدية المسلسلة للسِّلفي.

[3]  وهو حديث عبد الله بن عمرو مرفوعًا: الراحمون يرحمهم الرحمن أخرجه أحمد (6494)، وأبو داود (4941)، وصححه الترمذي (1924)، والحاكم (7274). وينظر: المسلسلات المختصرة المقدمة أمام المجالس المبتكرة (ص33)، وجياد المسلسلات (ص73).

[4] وهو حديث عن عبد الله بن سلام، قال: "قعدنا نفرًا من أصحاب رسول الله ، فتذاكرنا، فقلنا: لو نعلم أي الأعمال أحب إلى الله لعملناه؟ فأنزل الله عز وجل: سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ [الصف: 1]" أخرجه الدارمي (2413)، والترمذي (3309) وهو أصح المسلسلات كما سيأتي. وينظر: المسلسلات المختصرة المقدمة أمام المجالس المبتكرة (ص36)، وجياد المسلسلات (ص111).

[5] أخرجه البخاري (2697)، ومسلم (1718 -17) -واللفظ له- من حديث عائشة رضي الله عنها.

[6]  ط ركائز (ص65). ومحلُّ الوهاء والضعف في وصف التَّسلسل لا في أصل المتن؛ ولهذا قال ابن الصلاح: "وقلما تسلم المسلسلات من ضعف، أعني في وصف التسلسل لا في أصل المتن". معرفة أنواع علوم الحديث - ت عتر- (ص276).

[7] (ص66).

[8] (8/641). وينظر: تدريب الراوي- ت السرساوي- (2/769).

 

(الفتاوى المحررة)

انظر للاستزادة: (27649)، (33182)