التعليق على كلام القصاب في مخالفته معنى جعل إذا تعدى لمفعول ومفعولين

السؤال :

أحسن الله إليكم شيخنا، ورضي الله عنكم وأرضاكم وأسعدكم سعادة الأبرار، المعروف أنَّ (جعل) إذا تعدى إلى مفعول واحدٍ كان بمعنى (خلق)، وإذا تعدى إلى مفعولين كان بمعنى صيَّر، ألا يشكل على هذا ما قاله القصَّاب الكرجي في كتابه: نُكَت القرآن الدالة على البيان في أنواع العلوم والأحكام (1/216):

"قوله: وَجَاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ [آل عمران: 55] أي: ومصيِّر الذين اتبعوك فوق الذين كفروا. وكان بعض ملطفي نحلتنا يزعم أن الجعل إذا تعدَّى إلى مفعولين كان بمعنى الصيرورة، وإذا تعدَّى إلى مفعول واحد كان بمعنى المخلوق، ولا أحسب هذا منه إلا هفوة؛ لأن قوله تبارك وتعالى: هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاءً وَالْقَمَرَ نُورًا [يونس: 5] متعدٍّ إلى مفعولين، والشمس مخلوقة، وقد يجوز أن يقال: (جعَل) في الشمس والقمر ههنا بمعنى صيَّر، على تأويل أن الشمس خُلقت غير مضيئة، والقمر غير منوَّر، ثم صيَّر لهما ضياءً ونورًا، وأصل المجعولين مِن متبعي عيسى فوق الذين كفروا مخلوق، ثم صيِّروا فوقهم" إلخ كلامه رحمه الله.

وآمل من فضيلتكم شرح كلامه، وبيان مخالفته لما هو المعروف من التفصيل في جعل، والله يتولاكم بإحسانه.

الحمد لله وحده، وصلَّى الله وسلَّم على نبيِّنا محمد، أما بعد: فلابد قبل الجواب من مقدمتين:

الأولى: أن أهل اللغة متفقون على أن (جعَل) يتعدى إلى مفعول واحد وإلى مفعولين، ويفسرون المتعدي بواحد بـ (خلَق)، والمتعدي لاثنين بـ (صَيَّر)، وهذا واضح فيما يذكرون من الأمثلة، يقال: جعَل له خاتمًا، أي: صنع له خاتمًا، فهذا متعدٍّ لمفعول واحد، وجعَل الذهب خاتمًا، أي: صيَّره خاتمًا، فهذا متعدٍّ لمفعولين، فهذا أمرٌ مشهور عند أهل العربية[1].

الثانية: أن الشيخ القصَّاب رحمه الله أثنى عليه شيخ الإسلام ابن تيمية في "بيان تلبيس الجهمية" [2]، وثناء ابن تيمية عليه يدل على رسوخه في مذهب أهل السنة، وهذا ظاهرٌ في مؤلفاته، وقد أنكر القصَّاب على من قال من أهل السنة: إنَّ (جعَل) يأتي بمعنى (صيَّر) ردًّا على من يقول بخلق القرآن استدلالا، وذلك في قوله: "كان بعض ملطفي نحلتنا يزعم أن الجعل إذا تعدَّى إلى مفعولين كان بمعنى الصيرورة" إلى قوله: " ولا أحسب هذا منه إلا هفوة"، ثم شرح ذلك بأن تفسير (جعَل) بمعنى (صيَّر) لا يخلِّص من شبهة القائلين بخلق القرآن، استدلالا بقوله تعالى: إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا [الزخرف: 3][3]؛ لأن (صيَّر) – عند القصَّاب - تقتضي تَقدُّم الخلق على التصيير، ونظَّر ذلك بقوله تعالى: هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاءً وَالْقَمَرَ نُورًا [يونس: 5]، وزعَم أن الله خلق الشمس غير مضيئة، ثم صيَّرها مضيئة، وخلق القمر غير منير، ثم جعل له نورًا، فهكذا قوله تعالى: إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا [الزخرف: 3] إذا فُسِّر بـ (صيَّر) لا يستلزم نفي الخلق، بل هو أدلُّ على خلق القرآن قبل تصييره عربيًّا.

هذا ما يظهر من كلام القصاب رحمه الله، ولا يسلَّم له زعمُه أن الله خلق الشمس غير مضيئة والقمر غير منير، ثم صيَّرهما كذلك، بل يجوز أن يكون الله خلَقهما كذلك، أي: خلَق الشمس مضيئة والقمر منيرًا، ولهذا اختلف المعربون في (ضِيَاءً) و(نُورًا)، في الآية؛ فمن المعربين من جعلهما مفعولًا ثانيا، على أنَّ (جعَل) بمعنى (صيَّر)، ومنهم من جعلهما حالًا، على أنَّ (جعَل) بمعنى خلَق[4].

وأقول: إن قوله تعالى: إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا [الزخرف: 3] لا يستقيم تفسيره بــ (خَلق) ولا بـ (صيَّر)؛ فإنَّ القرآن كلام الله، وصفة من صفاته، وليس شيءٌ من صفات الله مخلوقًا[5]، لكن الآية عند المعتزلة نصٌّ في خلق القرآن؛ لأنَّ الفعل (جعَل) عندهم من قبيل المتعدي إلى واحد، أمَّا تفسير (جعَل) بمعنى (صيَّر) فلا تدل الآية معه على إثبات الخلق ولا على نفيه في القرآن، إذن فالردُّ بهذا التفسير على المعتزلة حجَّةٌ ضعيفةٌ، لكن لا مطعن فيه على من قال به، خلافًا للقصَّاب حيث قال: "ولا أحسب هذا منه إلا هفوة".

فعلُم ممَّا تقدم أنَّ أقوى حجَّة في إبطال القول بخلق القرآن أنه كلام الله، وصفة من صفاته، وليس شيء من صفات الله مخلوقًا. والله أعلم.

أملاه:

عبدالرحمن بن ناصر البراك

حرر في 28 شوال 1447ه


 

[1] ينظر على سبيل المثال: الانتصار لسيبويه على المبرد (ص82)، وشرح كتاب سيبويه للسيرافي (2/19)، والتذييل والتكميل في شرح كتاب التسهيل (6/53).

[2] (4/271-272). وينظر: (1/179-180).

[3] وقد استدل المبتدعة بهذه الآية على خلق القرآن ورد عليهم أهل العلم. ينظر: الرد على الجهمية والزنادقة (ص214-220)، والنقض على المريسي (ص415-419)، ولشيخنا فتوى منشورة في الموقع بعنوان: " (جعل) في القرآن واللغة، والرد على شبهة المعتزلة".

[4] ينظر: الكتاب الفريد في إعراب القرآن المجيد (3/347).

[5] ولهذا قال الإمام أحمد: "جعله جعلًا على معنى فعل من أفعال الله....وكان ذلك ‌فعلًا ‌من ‌أفعال ‌الله". وقال ابن الأعرابي: "وجعل: قال، ومنه قوله: إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا [الزخرف: 3]؛ ‌أي: ‌قلناه" . ينظر: الرد على الجهمية والزنادقة (ص219-220)، وتهذيب اللغة (1/240).

 

(الفتاوى المحررة)