حكم إنتاج الرسوم المتحركة والأنمي لأغراض دعوية وتربوية

السؤال :

فضيلة الشيخ عبد الرحمن بن ناصر البراك السلام عليك ورحمة الله وبركاته، وإني أتوجه إلى فضيلتكم بهذا السؤال مستفتياً ومسترشداً، سائلاً الله أن يبارك في علمكم وفي عمركم، وأن ينفع بكم الأمة:

 أنا شاب أعمل على مشروع صناعة محتوى مرئي كرتوني (أنمي إسلامي)، ويهدف هذا المشروع إلى تقديم قيم تربوية، وأخلاق إسلامية، وقصص هادفة للشباب والناشئة، بأسلوب عصري وجاذب، ليكون بديلاً نقياً وعوضاً عن المحتويات الغربية والآسيوية التي تمتلئ بالمخالفات العقائدية والأخلاقية، ورغم أنني بحثت واطلعت على بعض الفتاوى التي تبيح هذا المجال إذا انضبط بالضوابط الشرعية وخلا من المحرمات، بل وتعتبره من وسائل الدعوة المؤثرة، إلا أنني رغبت في استفتائكم خصيصاً لكي يطمئن قلبي، وتبلغ نفسي تمام اليقين قبل المضي قدمًا في هذا العمل.

لذا، أرجو من فضيلتكم إفادتي بالآتي:

  1. ما هو الحكم الشرعي في إنتاج هذه الرسوم والأنمي لأغراض دعوية وتربوية؟
  2. ما هي أهم الضوابط الشرعية والخطوط الحمراء التي يجب عليّ الالتزام بها والوقوف عندها في هذا المشروع (سواء في رسم الشخصيات، المؤثرات، أو صياغة القصص) لضمان بركة هذا العمل وحلّية مخرجاته ومكاسبه؟

شاكر لفضيلتكم وقتكم وسعة صدركم، وجزاكم الله عني وعن المسلمين خير الجزاء.

وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته، وأقول في الجواب: الحمد لله وحده، وصلَّى الله وسلَّم على نبيِّنا محمد، أما بعد:

فقبل الجواب لابد من مقدمة تتضمَّن التنبيه على أمور مقرَّرة صحيحة:

أحدها: أن حسن النيَّة لا يسوِّغ الفعل؛ فجميع أهل البدع يدَّعون ذلك، وأعمالهم مبتدَعة منكَرة.

الثاني: أن الدعوة إلى الله يجب أن تكون بما أرشد الله إليه ورسوله، وهو القرآن، وحديث الرسول صلى الله عليه وسلم، كما قال تعالى: فَذَكِّرْ بِالْقُرْآنِ مَنْ يَخَافُ وَعِيدِ [ق: 45]، وقال سبحانه: وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَذَا الْقُرْآنُ لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ [الأنعام: 19]، وقال تعالى: إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ [النساء: 58]، وقال صلى الله عليه وسلم: بَلِّغوا عني ولو آية رواه البخاري[1]، ولما خطب النبي صلى الله عليه وسلم في الحج قال: فَلْيُبَلِّغْ منكم الشاهدُ الغائبَ متفق عليه[2].

الثالث: أن الأفعال من حيث حكمها بالحلّ والتحريم ثلاثة، أحدها: المشتبهات، كما جاء في حديث النعمان المتفق عليه: وبينهما أمور مشتبهات[3]، وما اختلفَتْ فيه فتوى العلماء وتباينت فلا ريب أنه من المشتبهات التي يجب اتقاؤها؛ لاتقاء الحرام.

وبعد: فما ذكرتَ –أيها الأخ السائل– ممَّا عزمتَ عليه من عروضٍ فيها من المفاسد التي تربو على المصالح ما لا ريب فيه؛ فإنها تغرس في قلوب الناشئة خيالات وأوهامًا، كيف لا وهي وسائل مجتلبة من طرائق الكفار في التربية، وهذا يضيف مفسدة التشبه بالكفار الذي استفاضت النصوص في النهي عنه[4]، ووجوب استغناء المسلمين بما شرع الله لهم من الطرق والوسائل.

إذا عُلم هذا فأقول لك –أيها السائل–: اصرفْ نظرك عمَّا عزمتَ عليه من هذا المشروع، واستغن في الدعوة إلى الله وإلى أخلاق الإسلام بما أرشد الله إليه ورسوله صلى الله عليه وسلم، وما درج عليه السلف الصالح ومن سار على نهجهم، واستغن برزق الله بما يسَّر الله لك من طرق الكسب الواضحة التي لا شبهة فيها، هذا وقد ذكرتَ أنه تضاربت عندك فتاوى المفتين، فصار مشروعك بهذا من المشتبهات التي يجب اتقاؤها، كما قال صلى الله عليه وسلم: «وبينهما أمور مشتبهات لا يعلمهن كثير من الناس، فمن اتقى الشبهات استبرأ لدينه، وعرضه، ومن وقع في الشبهات وقع في الحرام»[5]، فاتق الله، ولا تُؤْثِر فتاوى مَن توافق فتواه هواك، واطلب ما هو أحرى بخلاصك يوم تلقى ربَّك، وأظنُّ أنِّي بما ذكرتُ لك قد أفتيتك بالإحجام لا بالإقدام. والله أعلم.

أملاه:

عبدالرحمن بن ناصر البراك

حرر في 15 محرم 1448هـ


 

[1] أخرجه البخاري (3461) من حديث عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما.

[2] أخرجه البخاري (1741)، ومسلم (1679) من حديث أبي بكرة رضي الله عنه.

[3] أخرجه البخاري (2051)، ومسلم (1599)، وهذا لفظ أبي داود (3329).

[4] ينظر: اقتضاء الصراط مستقيم (1/97) وما بعدها، (1/124) وما بعدها، وجلباب المرأة المسلمة في الكتاب والسنة (ص166-206).

[5] هو تتمة حديث النعمان بن بشير رضي الله عنهما السابق.

 

(الفتاوى المحررة)

انظر للاستزادة: (33565)، (32565)