الحمد لله وحده، وصلَّى الله وسلَّم على نبيِّنا محمد، أما بعد:
فالأدلة على جواز قتل الأنبياء، بل وقوع قتل الأنبياء، كثيرة في القرآن، فمن ذلك قوله تعالى: أَفَكُلَّمَا جَاءَكُمْ رَسُولٌ بِمَا لَا تَهْوَى أَنْفُسُكُمُ اسْتَكْبَرْتُمْ فَفَرِيقًا كَذَّبْتُمْ وَفَرِيقًا تَقْتُلُونَ [البقرة: 87]، وقوله سبحانه: وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ حَقٍّ [آل عمران: 21]، وقوله: وَقَتْلَهُمُ الْأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ [آل عمران: 181]
وقد ذكر المفسرون[1] والمؤرخون أن زكريا ويحيى عليهما السلام ممَّن قتلهم بنو إسرائيل[2]، وهو –أي: قتل الأنبياء– من الفساد الذي أخبر الله به عن بني إسرائيل أنه كائنٌ منهم، فسُلِّط عليهم بختنصَّر، قال تعالى: فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ أُولَاهُمَا بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ عِبَادًا لَنَا أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ [الإسراء: 5] الآيات[3]
وأمَّا استشهادي بآية وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ [آل عمران: 146] فلا يستقيم معه على قراءة حفص قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ، وإنما ورد عندي الاستشهاد بها على قراءة نافع وابن كثير وأبي عمرو ويعقوب: قُتِلَ بالبناء للمفعول[4]، فالنبي هو المقتول، والجملة بعده: رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ مستأنفة، أي: معه ربيون كثير، مبتدأ وخبر[5].
وكان الأَولى بمصحح الكتاب أن ينبِّه على ذلك ببيان من قرأ بهذه القراءة، فإني أوردتها في شرحي الصوتي للكتاب (قُتِلَ) بالبناء للمفعول، كما هو موجود في الأصل. والله أعلم[6].
أملاه:
عبدالرحمن بن ناصر البراك
حرر في 23 ذي القعدة 1447هـ
[1] ينظر: تفسير الثعلبي (3/439)، والتفسير البسيط (3/133).
[2] ينظر: تاريخ دمشق (19/55-56)، والبداية والنهاية (2/406)، (2/411).
[3] ينظر: تفسير الطبري (14/456) وما بعدها، وزاد المسير (3/10).
[4] ينظر: معاني القراءات للأزهري (1/275)، والمبسوط في القراءات العشر (ص169).
[5] ينظر هذا الوجه وغيره في: الكتاب الفريد في إعراب القرآن المجيد (2/141)، والدر المصون (3/426-428).
[6] عند تحقيقنا للكتاب كنا نظن أن شيخنا أراد تمام الآية: فَمَا وَهَنُوا لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَمَا ضَعُفُوا، وقد فسَّر قتادة والربيع بن أنس والسدي ذلك بقتل نبيهم. ينظر: تفسير الطبري (6/ 117). وعلمنا بعدها عند عملنا على "الجلالين" أن شيخنا يرجح قراءة: قُتِلَ: فقال في التعليق الجلالين (2/219): "وهذا هو المناسب للمقام؛ فإنَّ الآية نزلت بمناسبة ما أُشيع مِن قَتل النبي صلى الله عليه وسلم". وسنعدلها في الطبعة الثالثة لـلكتاب -إن شاء الله-، كما طلب شيخنا.
