توضيح الاستشهاد بآية آل عمران على أن الأنبياء يجوز عليهم القتل

السؤال :

في شرحكم النافع على كتاب التوحيد (الكشف) (ص٣٢٣) رأيت ما نصه: "بل جنس الأنبياء يجوز عليهم القتل، وقُتل من الأنبياء كثير؛ كما قال تعالى وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قَاتَلَ[آل عمران: 146]"، فهل تريدون هذه الآية أو آيةً أخرى؟ فإني لم أفهم وجه الدلالة منها. أحسن الله إليكم، ونفع بعلمكم، وأدام عليكم رضوانه.

الحمد لله وحده، وصلَّى الله وسلَّم على نبيِّنا محمد، أما بعد:

فالأدلة على جواز قتل الأنبياء، بل وقوع قتل الأنبياء، كثيرة في القرآن، فمن ذلك قوله تعالى: أَفَكُلَّمَا جَاءَكُمْ رَسُولٌ بِمَا لَا تَهْوَى أَنْفُسُكُمُ اسْتَكْبَرْتُمْ فَفَرِيقًا كَذَّبْتُمْ وَفَرِيقًا تَقْتُلُونَ [البقرة: 87]، وقوله سبحانه: وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ حَقٍّ [آل عمران: 21]، وقوله: وَقَتْلَهُمُ الْأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ [آل عمران: 181]

وقد ذكر المفسرون[1] والمؤرخون أن زكريا ويحيى عليهما السلام ممَّن قتلهم بنو إسرائيل[2]، وهو –أي: قتل الأنبياء– من الفساد الذي أخبر الله به عن بني إسرائيل أنه كائنٌ منهم، فسُلِّط عليهم بختنصَّر، قال تعالى: فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ أُولَاهُمَا بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ عِبَادًا لَنَا أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ [الإسراء: 5] الآيات[3]

وأمَّا استشهادي بآية وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ [آل عمران: 146] فلا يستقيم معه على قراءة حفص قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ، وإنما ورد عندي الاستشهاد بها على قراءة نافع وابن كثير وأبي عمرو ويعقوب: قُتِلَ بالبناء للمفعول[4]، فالنبي هو المقتول، والجملة بعده: رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ مستأنفة، أي: معه ربيون كثير، مبتدأ وخبر[5].

وكان الأَولى بمصحح الكتاب أن ينبِّه على ذلك ببيان من قرأ بهذه القراءة، فإني أوردتها في شرحي الصوتي للكتاب (قُتِلَ) بالبناء للمفعول، كما هو موجود في الأصل. والله أعلم[6].

أملاه:

عبدالرحمن بن ناصر البراك

حرر في 23 ذي القعدة 1447هـ

 


 

[1] ينظر: تفسير الثعلبي (3/439)، والتفسير البسيط (3/133).

[2] ينظر: تاريخ دمشق (19/55-56)، والبداية والنهاية (2/406)، (2/411).

[3] ينظر: تفسير الطبري (14/456) وما بعدها، وزاد المسير (3/10).

[4] ينظر: معاني القراءات للأزهري (1/275)، والمبسوط في القراءات العشر (ص169).

[5] ينظر هذا الوجه وغيره في: الكتاب الفريد في إعراب القرآن المجيد (2/141)، والدر المصون (3/426-428).

[6] عند تحقيقنا للكتاب كنا نظن أن شيخنا أراد تمام الآية: فَمَا وَهَنُوا لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَمَا ضَعُفُوا، وقد فسَّر قتادة والربيع بن أنس والسدي ذلك بقتل نبيهم. ينظر: تفسير الطبري (6/ 117). وعلمنا بعدها عند عملنا على "الجلالين" أن شيخنا يرجح قراءة: قُتِلَ: فقال في التعليق الجلالين (2/219): "وهذا هو المناسب للمقام؛ فإنَّ الآية نزلت بمناسبة ما أُشيع مِن قَتل النبي صلى الله عليه وسلم".  وسنعدلها في الطبعة الثالثة لـلكتاب -إن شاء الله-، كما طلب شيخنا.

 

(الفتاوى المحررة)

انظر للاستزادة: (20771)، (17274)