ما صحة حديث ولكنهم أقوام إذا خلوا بمحارم الله انتهكوها

السؤال :

ورد في الحديث عن ثوبان عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: لأعلمن أقواماً من أمتي يأتون يوم القيامة بحسنات أمثال جبال تهامة بيضًا، فيجعلها الله عز وجل هباء منثوراً، قال ثوبان: يا رسول الله، صفهم لنا، جَلِّهم لنا؛ ألَّا نكون منهم ونحن لا نعلم. قال: أما إنهم إخوانكم، ومن جلدتكم، ويأخذون من الليل كما تأخذون، ولكنهم أقوام إذا خلوا بمحارم الله انتهكوها رواه ابن ماجه.

ما تقولون – بارك الله فيكم - في صحة الحديث مع إشكال معناه، فحبوط الأعمال لا يكون إلا بالشرك كما دل عليه القرآن، والمؤمن لا يكاد ينفك عن معصية الله بحكم الشهوة والضعف المركب، ومعصيته تكون في الخلوة، فكيف تذهب حسناته العظيمة هباء منثورا؟

وقد قال صلى الله عليه وسلم: كل أمتي معافى إلا المجاهرين، وفي حديث ابن عمر قال صلى الله عليه وسلم: إن الله يدني المؤمن، فيضع عليه كنفه ويستره، فيقول: أتعرف ذنب كذا، أتعرف ذنب كذا، فيقول: نعم أي رب، حتى إذا قرره بذنوبه، ورأى في نفسه أنه هلك، قال: سترتها عليك في الدنيا، وأنا أغفرها لك اليوممتفق عليه.

فبينوا لنا الجواب في هذا بيانا شافيا، بارك الله فيكم، ونفع بكم.

الحمد لله وحده، وصلَّى الله وسلَّم على نبيِّنا محمد، أما بعد:

فالحكم على حديث ثوبان[1] يُرجع فيه إلى أهل الحديث، ثم رجعنا إلى أهل الحديث فوجدناهم مختلفين؛ فمنهم من صحَّحه[2]، ومنهم من حسَّنه[3]، ومنهم من ضعَّفه[4]، ويؤيد تضعيفه أنه مِن أفراد ابن ماجه، وقد ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله أن غالب ما يتفرد به ابن ماجه ضعيف[5].

والذين قَبِلوا الحديث اعتمدوا على النظر في إسناده، والإسناد عندهم إما صحيح أو حسن، ولم ينظروا إلى المتن، كما هو معروف عند المحققين؛ فالنكارة في المتن من القوادح، وحديث ثوبان هذا متنُه مشكلٌ، وذلك من وجوه:

الأول: أنه معارض لحديث أبي هريرة رضي الله عنه في الصحيحين مرفوعا: كلُّ أمتي معافى إلا المجاهرين[6]؛ فإن هذا الحديث يقتضي أن الذي لم يجاهر بمعصيته أنه معافى، وأيُّ عافية مع إحباط أعماله التي هي كالجبال؟!

الثاني: أن مقتضى حديث ثوبان إحباطُ الأعمال الصالحة الكثيرة بجرأة العبد على الذنوب مستخفيًا بها، وهذا ينافي ما دلَّت عليه أسماء الله الحسنى كالغفور والغفَّار والعفوِّ والكريم والرحيم إلخ.

الثالث: أن إحباط الأعمال الصالحة الكثيرة يتضمَّن أن فعل العبد المذكور بمنزلة الشرك، وهذا ينافي قوله تعالى: إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ [النساء: 48]، وقولَه تعالى في الحديث: يا ابن آدم إنك لو أتيتني بقُراب الأرض خطايا، ثم لقيتني لا تشرك بي شيئا، لأتيتك بقُرابها مغفرة رواه الإمام أحمد والترمذي[7].

الرابع: أنه يمكن الجواب عن ظاهر حديث ثوبان بأن حبوط أعمال العبد يرجع لعدم إخلاصه فيها، بل كان مرائيًا، والتعبير عنها بالحسنات، هذا بحسب الظاهر؛ فإن أعمال المرائي بحسب الظاهر أعمالٌ صالحةٌ؛ فإنه يصلي ويصوم ويتصدق، وهذه أعمالٌ صالحةٌ، ولكنها حابطة لفساد نيته، فهذا العبد يستخفي بالمعاصي، ويتزين بالأعمال الصالحة، ويشهد لحمل الحديث على هذا المعنى حديثُ أسامة بن زيد المتفق عليه في الرجل الذي يؤتى به يوم القيامة فيُلقى في النار، قال صلى الله عليه وسلم: فتندلق أقتابه[أي: أمعاؤه][8] في النار، فيدور كما يدور الحمار برحاه، فيجتمع أهل النار عليه فيقولون: أيْ فلان ما شأنك؟ ألم تكن تأمرنا بالمعروف، وتنهانا عن المنكر؟ قال: كنت آمركم بالمعروف ولا آتيه، وأنهاكم عن المنكر وآتيه[9]. ولا ريب أن هذا الشَّقيَّ لم يكن يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر لحُسن نيَّة، بل رياءً وتظاهرًا بالصلاح، فلو كان بحسن نيَّة لكان مأجورًا، وكان سببًا في نجاته، فحالُه تشبه حال المذكور في حديث ثوبان، أو أنَّه هو نفسه، وهذا أقوى الوجوه في الجواب عن حديث ثوبان.

فلعل بما ذُكِر من البيان يرتفع الإشكال عن حديث ثوبان، والله المستعان، وعليه التكلان.

 

أملاه:

عبدالرحمن بن ناصر البراك

حرر في 2 محرم 1448هـ


 

[1] اخرجه ابن ماجه (4245).

[2] كالبوصيري والألباني. ينظر: مصباح الزجاجة (4/246)، والصحيحة (505).

[3] كمقبل الوادعي وشعيب الأرناؤوط. ينظر: الصحيح المسند مما ليس في الصحيحين (189)، وسنن ابن ماجه –ت الأرناؤوط- (5/317).

[4] كمصطفى العدوي. ينظر: سلسلة الفوائد الحديثية والفقهية (5/114).

[5] نقله عنه ابن القيم في زاد المعاد (1/544). وقال السيوطي: "وقال المزي: كل ما انفرد به عن الخمسة فهو ضعيف، قال الحسيني: يعني من الأحاديث، وتعقبه شيخ الإسلام [يعني ابن حجر]: بأنه انفرد بأحاديث كثيرة وهي صحيحة، قال: فالأولى حمله على الرجال" تدريب الراوي (1/ 108).

[6] أخرجه البخاري (6069) –واللفظ له-، ومسلم (2990).

[7] أخرجه أحمد (21472) عن أبي ذر، وأخرجه الترمذي (3540)، والطبراني في الأوسط (4305) من حديث أنس رضي الله عنه. قال الترمذي: "هذا حديث حسن غريب، لا نعرفه إلا من هذا الوجه"، وقال ابن رجب في جامع العلوم والحكم (2/400): "إسناده لا بأس به...". وينظر: الصحيحة (127).

[8] ينظر: النهاية في غريب الحديث والأثر (4/11).

[9] أخرجه البخاري (3267) –والسياق له-، ومسلم (2989).

 

(الفتاوى المحررة)

انظر للاستزادة: (7921)