التعليق على كلام السرقسطي في شرحه حديث من عقد لحيته بأنه لحاء الشجر

السؤال :

فضيلة شيخنا المبرور: جاء في حديث رويفع بن ثابت رضي الله عنه قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: يا رويفع، لعل الحياة ستطول بك بعدي، فأخبر الناس أنه من عقد لحيته، أو تقلد وترًا، أو استنجى برجيع دابةٍ أو عظمٍ، فإن محمدًا منه بريء رواه أحمد وأبو داود والنسائي.

وجدت في تفسير (من عقد لحيته) كلامًا للسَّرَقُسْطي نقله ابن الملقن في البدر المنير، قال ابن الملقن في (البدر المنير) (٢/٣٥٣) قال: "قال صاحب «الدلائل في غريب الحديث» بعد روايته له: هكذا في الحديث «من عقد لحيته» وصوابه - والله أعلم -: «من عقد لحاء» من قولك: لحيت الشجر إذا قشرته، وكانوا في الجاهلية يعقدون لحاء الحرم فيقلدونه (في) أعناقهم فيَأمنون بذلك، وهو قول الله -تعالى-: لَا تُحِلُّوا شَعَائِرَ اللَّهِ وَلَا الشَّهْرَ الْحَرَامَ وَلَا الْهَدْيَ وَلَا الْقَلَائِدَ [المائدة: 2] فلما أظهر الله الإسلام نهى عن ذلك. قال السدي: شعائر الله: حرم الله. وأما الهدي والقلائد؛ فإن العرب كانوا يقلدون من لحاء الشجر -شجر مكة- فيقيم الرجل بمكة حتى إذا انفضت الأشهر الحرم وأراد أن يرجع إلى أهله قلد نفسه وناقته من لحاء الشجر، فيأمن حتى يأتي أهله.

قال الشيخ تقي الدين في (الإمام): وما أشبه ما قاله بالصواب، لكن لم نره فيما وقفنا عليه في رواية" أهـ.

أرجو من فضيلتكم إفادتي في شأن هذا التقرير للسرقسطي، وهل بالإمكان حكايته قولا في تفسير الحديث؟ رضي الله عنكم، ونفع في علمكم.

الحمد لله وحده، وصلَّى الله وسلَّم على نبيِّنا محمد، أما بعد: فما قاله السَّرَقُسْطي[1] في تفسير الحديث[2] لا أُراه صوابا؛ فإنَّ تعليق اللِّحاء من شجر الحرم، وأمْنَ مَن يفعل ذلك من العدوان عليه، هو من تعظيم الحرم؛ فلا يستوجب الوعيد، وإنما الوعيد مرتَّبٌ على أيِّ واحد من الأمور الثلاثة:

الأول: تعليق الوَتر[3]، وكان النبي صلى الله عليه وسلم يأمر بقطعه، كما في حديث أبي بشير الأنصاري أنه كان مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في بعض أسفاره، فأرسل رسولا: لا يبقين في رقبة بعيرٍ قلادةٌ من وَتر، ولا قلادةٌ إلا قُطعت[4].

الثاني: عقْد اللحية، وفسَّره شرَّاح الحديث بأنه ظفْرُها، وهو من فعل بعض الأعاجم، تكبُّرا[5]، وهو الذي عليه الرواية، والمعوَّل في لفظ الحديث على الرواية، لا على ما يسبق إليه فهم بعض الناس.

الثالث: الاستنجاء بالعظم والروث، وقد استفاضت الأحاديث في النهي عن ذلك[6]. والله أعلم.

أملاه:

عبدالرحمن بن ناصر البراك

حرر في 9 محرم 1448هـ


 

[1] أبو محمد قاسم بن ثابت بن حزم من أهل سرقسطة، وُلد سنة (255) رحل مع أبيه فسمع بمصر من أحمد بن شعيب النسائي، وأحمد بن عمرو البزار، وسمع بمكة من جماعة، وكان عالماً بالفقه والحديث، مقدَّمًا في المعرفة بالغريب والنحو، له كتاب: " الدلائل في غريب الحديث" ومات قبل إكماله فأكمله أبوه ثابت بن حزم بعده، توفي سنة (302). ينظر: تاريخ علماء الأندلس (1/ 402)، والديباج المذهب (2/147).

[2] أخرجه أحمد (16995)، (16996)، (17000)، وأبو داود (36)، والنسائي (5067)، وجوَّده ابن مفلح في الآداب الشرعية (3/154)، وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود (27).

[3] الوتر: وهو الخيط من جلد يكون بين طرفي القوس، كان أهل الجاهلية يعلقون الأوتار على الإبل لدفع

العين والبلاء؛ فهو من جنس التميمة. ينظر: النهاية في غريب الحديث (5/149)، والكشف عن مقاصد أبواب ومسائل كتاب التوحيد (ص199).

[4] أخرجه البخاري (3005)، ومسلم (2115). وهو بهذا اللفظ عند أحمد (21887)، وأبي داود (2552).

[5] ينظر: النهاية (3/270)، وذكر الخطَّابي في معالم السنن (1/27) وجهًا آخر وهو أنه فِعل أهلِ التأنيث.

[6] منها ما أخرجه مسلم (262) عن سلمان رضي الله عنه قال: "قيل له: قد علمكم نبيكم صلى الله عليه وسلم كل شيء حتى الخراءة، قال: فقال: أجل، لقد نهانا أن نستقبل القبلة لغائط أو بول، أو أن نستنجي باليمين، أو أن نستنجي بأقل من ثلاثة أحجار، أو أن نستنجي برجيع أو بعظم". وفي الباب عن جابر عند مسلم (263). وينظر: السنن الكبير للبيهقي (1/327)، والمنتقى -بشرحه نيل الأوطار- (1/377)، (1/379)، (1/380)، (1/383).

 

(الفتاوى المحررة)