السؤال : ما الحكمة في نظركم مِن امتزاج الموضوعات المختلفة في القرآن؟ بحيث تجد في السورة الواحدة ـمثلاـ حديثًا في أصول الإيمان وفي العبادات وفي السلوك وفي قصص الماضين، فقد رأيت الخطابي -رحمه الله- نقلَ عن بعض الطاعنين على القرآن قولهم: لو كانَ نزولُ القرآن على سبيل التَّفصيل والتَّقسيم، فيكون لكلّ نوع مِن أنواع علومه حيّز وقَبيل، لكان أحسنَ نظمًا، وأكثر عائدة ونفعًا. فبِمَ يجاب هؤلاء؟

 

الجواب : الحمدُ لله، وصلَّى الله وسلَّم على نبيّنا محمَّد، أما بعد:

فإنَّ كتاب الله العزيز تنزيلٌ مِن حكيم حميد، لا يأتيه الباطلُ مِن بين يديه ولا مِن خلفه، وقد وصفهُ الله الذي أنزله بأنَّه أحسن الحديث؛ فلا عيبَ فيه بوجه مِن الوجوه، وما ذكره السائل مِن تنوع موضوعات السورة الواحدة ليس عيبًا ـكما يقولُ الطاعنونـ بل يعُدُّه المنصفون مِن محاسن القرآن [1]، ويظهر ذلك بمعرفة التَّناسب بين أول السورة الواحدة وآخرها وموضوعاتها، فلا بدَّ أن توجد رابطة تجمع بين هذه الجوانب مِن الكلام، ويمكن أن يعدَّ ذلك مِن وجوه إعجاز القرآن.

وقد نبَّه عددٌ مِن العلماء على هذا المعنى، وألَّفوا فيه كتبًا، وأعظم مثال لذلك: "سورة البقرة"، وهي أطول سورة في القرآن؛ فقد تضمَّنت أنواعًا عديدة مِن الموضوعات في أبواب مختلفة مِن العلم، كأقسام الناس والقصص؛ كقصة آدم وإبليس، وقصة بني إسرائيل، والحوار مع اليهود والمشركين، والرَّد عليهم في أمر القبلة، وذكر بعض أنواع العبادات التي هي مِن أصول الشَّرائع؛ كالصيام والحج والجهاد، وأحكام النكاح والطَّلاق، والإنفاق والمعاملات التجارية، مع ذكر أصول الإيمان في أول السورة ووسطها وآخرها؛ فختمت بمثل ما بدئت به من ذلك. والمتدبِّرُ لكتاب الله بِحُسن نظرٍ وبصيرة وإنصاف يدركُ أنَّ هذه الموضوعات يربط بينها معنى اقتضى هذه الموضوعات المختلفة.

ودواعي هذا التَّنوع مختلفة؛ فمنها ما يكون مِن قبيل الاستطراد، وهو فنٌّ مِن فنون البلاغة، ومنها ما يكون مِن قبيل الاعتراض، وهو فنٌّ كذلك إذا وجد ما يقتضيه، وتطبيق ذلك في سورة البقرة يطول، فينظر ما ذكره المعنيُّون بهذا الجانب. ومِن ذلك ما ذكره البقاعي في كتابه "نظم الدرر في تناسب الآيات والسور" [2] ، وهكذا ما يذكره المفسرون حين يذكرون التناسب بين الآيات.

ومما يدخلُ في كلام المعترض قصص الأنبياء؛ إذْ لم تذكر قصة النَّبي الواحد مجموعة في موضع واحد، بل جاءت متفرّقة في مواضع مبسوطةً ومختصرةً، ولا يعدُّ ذلك تكرارًا؛ إذْ يُذكر في كل موضع ما لم يُذكر في الموضع الآخر، وذلك كقصة نبي الله موسى -عليه السلام- مع فرعون؛ فقد جاءت مبسوطةً مفصلة في سورة "الأعراف وطه والشعراء والقصص"، ومختصرةً في "هود وبني إسرائيل والنمل" وغيرها، ومن الحكم في تكرار القصص:

 1ـ تجديد ذكرها؛ لتجديد التَّذكُّر بها والاعتبار، فلو جمعت القصة في موضع واحد لما تحقق هذا الغرض المعنى.

التَّنويع في أسلوب عرضها بِمَا يُلقي على القصة مزيدًا مِن حسن البيان، ومزيدًا مِن الدلالات على مقاصدها، فكلمَّا مرَّ بها القارئ في موضع ازداد بها علمًا، وازداد بها اعتبارًا وذكرى، فيتعدَّد عرض القصة وتتعدد أدلَّة المعنى الواحد في القصة، واعتبِر هذا فيما دلَّت عليه قصة موسى -عليه السلام- مِن حقيقة سِحْر سَحَرة فرعون، كما في سورة الأعراف في قوله تعالى: فَلَمَّا أَلْقَوْا سَحَرُوا أَعْيُنَ النَّاسِ وَاسْتَرْهَبُوهُمْ وَجَاءُوا بِسِحْرٍ عَظِيمٍ [الأعراف:116] وفي سورة طه في قوله سبحانه: فَإِذَا حِبَالُهُمْ وَعِصِيُّهُمْ يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِنْ سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَى[طه:66].

وفي حكم السَّاحر كما في سورة "يونس" في قوله تعالى: أَسِحْرٌ هَذَا وَلَا يُفْلِحُ السَّاحِرُونَ [يونس:77]، وفي سورة "طه" في قوله تعالى: وَلَا يُفْلِحُ السَّاحِرُ حَيْثُ أَتَى [طه:69]، إلى غير ذلك من المعاني التي تضمَّنتها القصة.

يُضافُ إلى ما تقدَّم مِن أسباب تنوّع الموضوعات في السورة الواحدة: تعدُّد أسباب النزول؛ فإنَّ كثيرًا مِن القرآن نزلَ على إثر حوادث لتقرير حكم الله فيها، والفصل بين المتنازعين، فتوضع الآيات النَّازلة على سبب في الموضع المناسب لها من سور القرآن، وبهذا جاء القرآن متناسبًا متشابهًا، يصدِّق بعضه بعضًا، ويشهد بعضه لبعض، ويعضُد بعضه بعضًا، ولهذا عُدَّ مِن أصول التَّفسير: تفسير القرآن بالقرآن، وقد ألَّف في هذا شيخنا الشيخ محمد الأمين الشنقيطي -رحمه الله- كتابه الشهير: "أضواء البيان في تفسير القرآن بالقرآن"، والله أعلم.

 

أملاه :

عبدُ الرَّحمن بن ناصر البرَّاك

حرر في 7 ذي القعدة 1441هـ

 

 

[1] - قال الخطابي : " إنما نزل القرآن على هذه الصفة من جمع أشياء مختلفة المعاني في السورة الواحدة وفي الآية المجموعة القليلة العدد لتكون أكثر لفائدته وأعم لنفعه. ولو كان لكل باب منه قبيل , ولكل معنى سورة مفردة لم تكثر عائدته , ولكن الواحد من الكفار والمعاندين المنكرين له إذا سمع السورة منه لا تقوم عليه الحجة به إلا في النوع الواحد الذي تضمنته السورة الواحدة فقط , فكان اجتماع المعاني الكثيرة في السورة الواحدة أوفر حظًا وأجدى نفعًا من التمييز والتفريد للمعنى الذي ذكرناه. والله أعلم." بيان إعجاز القرآن (ص54)

[2] - ذكر فيه مناسبات ترتيب السور والآيات وعلل ترتيب وارتباط الآي بعضها ببعض، وقد أطال فيه التدبر وأنعم فيه التفكر لآيات الكتاب قال عنه السيوطي :"جمع فيه من أسرار القرآن العظيم ما تتحير منه العقول" طبقات المفسرين للأدنه وي (ص348)

وكان يؤول الصفات على مذهب الأشعرية وقد طبعته دار الكتاب الإسلامي في اثنين وعشرين مجلدا وطبع في دار الكتب العلمية بتحقيق : عبد الرزاق غالب المهدي في ثمانية أجزاء.