السؤال : أحسن الله إليكم، ما رواه البخاري في صحيحه عن عطاء بن يسار، قَالَ لَقِيتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ -رضى الله عنهما- قُلْتُ: أَخْبِرْنِى عَنْ صِفَةِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فِى التَّوْرَاةِ. قَالَ "أَجَلْ، وَاللَّهِ إِنَّهُ لَمَوْصُوفٌ فِى التَّوْرَاةِ بِبَعْضِ صِفَتِهِ فِى الْقُرْآنِ يَا أَيُّهَا النَّبِىُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا، وَحِرْزًا لِلأُمِّيِّينَ، أَنْتَ عَبْدِى وَرَسُولِى، سَمَّيْتُكَ الْمُتَوَكِّلَ، لَيْسَ بِفَظٍّ وَلاَ غَلِيظٍ وَلاَ سَخَّابٍ فِى الأَسْوَاقِ، وَلاَ يَدْفَعُ بِالسَّيِّئَةِ السَّيِّئَةَ وَلَكِنْ يَعْفُو وَيَغْفِرُ، وَلَنْ يَقْبِضَهُ اللَّهُ حَتَّى يُقِيمَ بِهِ الْمِلَّةَ الْعَوْجَاءَ بِأَنْ يَقُولُوا لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ، وَيَفْتَحُ بِهَا أَعْيُنًا عُمْيًا، وَآذَانًا صُمًّا، وَقُلُوبًا غُلْفًا". [1]

وثبت عند الإمام أحمد زيادة، قال عطاء: لقيتُ كعبًا فسألته، فما اختلفا في حرف. [2]

سؤالنا -أحسن الله إليكم- هل يُقال: قول عبد الله بن عمرو "إنَّه لموصوف في التوراة" يريدُ نفس التَّوراة، بحيث يكون الكلام المذكور هو كلام الله نصًّا، أو أن المقصود بالتوراة كتب أهل الكتاب التي بأيديهم؟ سددكم الله، ومنحكم الله العلم والإيمان.

 

الجواب : الحمدُ لله وحده، وصلَّى الله وسلَّم على محمَّد، أما بعد :

فإنَّ مِن المعلوم أنَّ التَّوراة كانت موجودة في عهد النَّبي صلَّى الله عليه وسلَّم، وقد احتجَّ بها الرَّسولُ -صلَّى الله عليه وسلَّم- على اليهود في حدِّ الزاني المحصَن حين جحدوه، ففي صحيح البخاري عن ابن عمر رضي الله عنهما، قال: أُتي النَّبي -صلَّى الله عليه وسلَّم- برجل وامرأة مِن اليهود قد زنيا، فقال لليهود: «مَا تَصنعون بهما؟»، قالوا: نسخم[3] وجوههما ونخزيهما، قال: فَأْتُوا بِالتَّوْرَاةِ فَاتْلُوهَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ [آل عمران:93]، فجاءوا، فقالوا لرجلٍ ممَّن يرضون: يا أعور، اقرأ، فقرأ حتى انتهى إلى موضع منها فوضع يده عليه، قال عبد الله بن سلام: ارفعْ يدكَ، فرفعَ يده، فإذا فيه آية الرَّجم تلوح، فقالَ: يا محمَّد؛ إنَّ عليهما الرَّجم، ولكنا نكاتمه بيننا، فأمرَ بهما فرجما، فرأيته يجانئ [4] عليها الحجارة [5].

وكذلك أمَرَ اللهُ نبيَّه محمَّدًا -صلَّى الله عليه وسلَّم- أن يطلبَ مِن اليهود أن يأتوا بالتَّوراة لمَّا جحدوا أن يكون ما حرم عليهم مذكورًا في التوراة، قال تعالى: كُلُّ الطَّعَامِ كَانَ حِلًّا لِبَنِي إِسْرَائِيلَ إِلَّا مَا حَرَّمَ إِسْرَائِيلُ عَلَى نَفْسِهِ مِنْ قَبْلِ أَنْ تُنَزَّلَ التَّوْرَاةُ قُلْ فَأْتُوا بِالتَّوْرَاةِ فَاتْلُوهَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ [آل عمران:93].

وليس في هذا الكلام المرويِّ عن عبد الله بن عمرو في صفة نبيّنا -صلَّى الله عليه وسلَّم- ما يتعارضُ مع ما في القرآن والسُّنَّة، وقد أخبر الله أنَّ صفة نبيّنا -صلَّى  الله عليه وسلَّم- مكتوبة عندهم  في التَّوراة، قال تعالى: الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ [الأعراف:157]، وكتبُ الله يصدقُ بعضها بعضًا، وعبد الله بن عمرو رضي الله عنهما عزا هذا القول للتَّوراة صريحًا، فلا يُعدُّ هذا من الإسرائيليات التي لا تصدق ولا تكذب، فإذا ثبتَ أنَّه مِن التَّوراة فهو مِن كلام الله، والله أعلم. 

 

أملاه :

عبد الرَّحمن بن ناصر البرَّاك

حرر في 24 ربيع الأول 1442

 

[1] - أخرجه البخاري (2125).

[2]- أخرج هذه الزيادة أحمد في المسند (6622)، وبنحوها ابن سعد في الطبقات (1/362)، والطبري في التفسير (10/492) من طريق موسى بن داود، ويونس بن محمد، قالا: حدثنا فليح بن سليمان، عن هلال بن علي، عن عطاء بن يسار به. ورجاله ثقات رجال الشيخين، غير موسى بن داود، فمن رجال مسلم، وفليح بن سليمان فيه ضعف من قبل حفظه وقد أخرج له البخاري في مواضع ومسلم في موضع واحد. قال ابن عدي في الكامل (7/144 رقم 1575) " ولفليح أحاديث صالحة يرويها يروي عن نافع، عن ابن عمر نسخة ويروي عن هلال بن علي عن عبد الرحمن بن أبي عمرة، عن أبي هريرة أحاديث ويروي عن سائر الشيوخ من أهل المدينة مثل أبي النضر وغيره أحاديث مستقيمة وغرائب وقد اعتمده البخاري في صحيحه وروى عنه الكثير وقد روى عنه زيد بن أبي أنيسة، وهو عندي لا بأس به " وقال الدارقطني: " يختلفون فيه , ليس به بأس . " ينظر: سؤالات أبي عبد الله بن بكير البغدادي للدارقطني (رقم22).

[3] -سخم وجهه أي سوده. والسخام: الفحم. ينظر: لسان العرب (12/283).

[4] - أي يكب ويميل عليها ليقيها الحجارة. ينظر: النهاية (1/302).

[5]- أخرجه البخاري (7543).