السؤال : اقترحَ بعضُ الكتَّاب مِن التَّربويين أن تكون قراءةُ القرآن في المدارس على سبيل الانتقاء منه؛ آياتٍ آياتٍ، بحسب مستويات الطلاب، وما يلائم أعمارهم، وما يحتاجون إليه في عبادتهم ومعاملاتهم، لترسخ الآيات في أذهانهم، وما عدا ذلك منه فيترك لهم خارج المدارس لقراءته في لاحق الأيَّام، فهل هذه الطريقة صحيحة؟ وهل هي أجدى من غيرها في تعليم الناشئة القرآن؟ وما هي طريقة المسلمين التي جروا عليها في سائر الأعصار والأمصار؟

بيِّنوا لنا بيانًا شافيًا، والله يتولَّاكم بعونه وتأييده وتوفيقه. 

 

الجواب : الحمدُ لله وحده، وصلَّى الله وسلَّم على محمَّد، أما بعد:

فإنَّ قدوتنا في تعليم القرآن هم سلفُنا الصَّالح؛ مِن الصَّحابة والتَّابعين فمَن بعدهم مِن أجيال المسلمين المقتدِين بهم، وقد كان مِن غاية السَّلف في تعليم القرآن أن يتمَّه النَّاشئة حفظًا عن ظهر قلب، وكان ختم القرآن غايةً يتنافسُ فيها أولاد المسلمين، كما يتنافسُ طلاب الجامعات في هذا العصر؛ لنيل الشَّهادات العالية، وكانوا يَعدُّون ختم القرآن نعمة عظيمة ومكرمة لِمَن ينالها، ولهذا كان مبدأ طريقهم في التَّعليم هو القرآن، لا يقدّمون عليه شيئًا، فهو أول اهتماماتهم.

ومِن حكمة الله أن جعلَ القرآن سورًا طويلة وقصيرة ومتوسطة، وقد رتَّب الصَّحابة القرآن هذا الترتيب الذي هداهم الله إليه، وهو المثبت في مصاحف المسلمين، فجعلوا المفصَّل آخر القرآن، ولهذا كان المسلمون عبر القرون يبدؤون في تعليم أولادهم مِن آخر القرآن مِن قصار المفصَّل، ويرتقون بهم حتى يختموه، فكأنه سلَّم يرتقونه درجة درجة حتى يبلغوا البقرة أطولَ سورة في القرآن، وهو الذي عليه عملُ المسلمين اليوم في جميع أقطار العالم الإسلامي.

وهذا الاقتراحُ المذكور في السؤال هو مِن وحي الشَّيطان؛ لتقليل حفظة القرآن، وتقليص ما يُحفظ منه، ومِن نعم الله على هذه البلاد -المملكة العربية السعودية- أن قامَ فيه عددٌ مِن جمعيَّات تحفيظ القرآن في أنحاء البلاد تُنفَقُ عليها الأموال؛ مكافآتٍ للمدرسين وجوائز للمتفوقين، وهذه الجمعيَّات -كما يُرى- تتنافسُ في كثرة الخاتمين، وهي موضع التقدير مِن الجميع؛ مِن ولاة الأمر -وفَّقهم الله- ومِن العامَّة ومِن الخاصَّة.

أعود فأقول: إنَّ هذا الاقتراحَ المذكور بدعة محرَّمة؛ لِمَا تقدَّم مِن خروجها على ما مضى عليه المسلمون، وإليك قولَ الخبير بتاريخ المسلمين، وهو العلَّامة عبد الرحمن ابن خلدون رحمه الله؛ فإنَّه قالَ في مقدِّمته الشَّهيرة: "اعلم أنّ تعليم الولدان للقرآن شعارٌ مِن شعائر الدِّين أخَذ به أهلُ الملّة، ودرجوا عليه في جميع أمصارهم؛ لما يسبق فيه إلى القلوب مِن رسوخ الإيمان وعقائده مِن آيات القرآن، وبعض متون الأحاديث، وصارَ القرآنُ أصلَ التَّعليم الذي ينبني عليه ما يحصل بعدُ من الملكات" اهـ.[1] 

وبعد؛ فلا أظنُّ هذا الاقتراح المذكور يصدر ممَّن يُحسَن به الظَّن، والواجبُ على المسؤولين على التَّعليم أن يرفضوه، وينكروا على صاحبه ويوبِّخوه، ومَن يؤيده فهو مؤيِّد للباطل، فاحذروا أيُّها المؤمنون لعلَّكم تفلحون. نسألُ الله أن يوفّق المسلمين لما فيه الخير والسَّداد، وصلَّى الله وسلَّم على محمَّد.

 

أملاه :

عبد الرحمن بن ناصر البراك

في 8 رجب 1442 هـ

 


[1] - مقدمة ابن خلدون- ت عبد الله الدرويش- (2/353).