الدّعوة إلى الله: بالجدّ لا بالهزل
 
الحمدُ لله ربّ العالمين، وصلّى الله وسلم على نبيّنا محمّد وآله وصحبه وسلم، أمّا بعد:
فقد قال الله تعالى: قُل هَٰذِهِ سَبِيلِيٓ أَدعُوٓا إِلَى ٱللَّهِ عَلَىٰ بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ ٱتَّبَعَنِي وَسُبحَٰنَ ٱللَّهِ وَمَآ أَنَا مِنَ ٱلمُشرِكِينَ[يوسف:108] ففي هذه الآية أن الدّعوة إلى الله هي سبيل رسول الله -صلّى الله عليه وسلّم- وسبيل أتباعه، وقد أمر اللهُ نبيَّه -صلّى الله عليه وسلّم- بالدّعوة إليه، فقال تعالى: وَٱدعُ إِلَىٰ رَبِّكَ إِنَّكَ لَعَلَىٰ هُدٗى مُّستَقِيمٖ[الحج:67] وَٱدعُ إِلَىٰ رَبِّكَ وَلَا تَكُونَنَّ مِنَ ٱلمُشرِكِينَ[القصص:87]
وقد أخبرَ -سبحانه وتعالى- أنّه يدعو عباده إلى جنّته ومغفرته، قال تعالى: وَٱللَّهُ يَدعُوٓاْ إِلَى ٱلجَنَّةِ وَٱلمَغفِرَةِ بِإِذنِهِ[البقرة:221] وقال: وَٱللَّهُ يَدعُوٓا إِلَىٰ دَارِ ٱلسَّلَٰمِ وَيَهدِي مَن يَشَآءُ إِلَىٰ صِرَٰط مُّستَقِيم[يونس:25] ودعوته -سبحانه- هي دعوته على ألسنة رسله بما أنزله في كتبه مِن شرائع دينه.
وحقيقةُ الدّعوة إلى الله، هي: الدّعوة إلى الإيمان به، وبرسله، وباليوم الآخر، وإلى عبادته وحده لا شريك له. وعبادته تقوم على تقواه وعلى طاعة رسله، قال تعالى عن نوح -عليه السلام-: أَنِ ٱعبُدُواْ ٱللَّهَ وَٱتَّقُوهُ وَأَطِيعُونِ[نوح:3] وهذه هي دعوة الرسل كلهم، كل رسول يقول لقومه: اعْبُدُواْ اللَّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ، فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ
كما تقوم دعوة الرسل على البِّشارة والنِّذارة، بشارة المؤمنين بما أعده الله لهم من المغفرة والنعيم المقيم، ونذارة المكذبين بما توعد الله به أهل معصيته من أنواع العقوبات، قال تعالى: رُّسُلاً مُّبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ[النساء:165] وقال الله في خاتمهم: وَمَآ أَرسَلنَٰكَ إِلَّا مُبَشِّرٗا وَنَذِيرٗا[الفرقان:56]

فمدار الدّعوة إلى الله على الأمر بما أمر الله به ورسوله، والنّهي عما نهى الله عنه ورسوله، مع التّرغيب في ثوابه وما أعدّ لأهل طاعته، والتّرهيب من عذابه وما توعد به أهل معصيته، وقد سمّى الله الدّعوة إليه تذكيرًا، فقال سبحانه: وَذَكِّر فَإِنَّ ٱلذِّكرَىٰ تَنفَعُ ٱلمُؤمِنِينَ[الذاريات:55] وقال تعالى: فَذَكِّرْ إِن نَّفَعَتِ الذِّكْرَى * سَيَذَّكَّرُ مَن يَخْشَى * وَيَتَجَنَّبُهَا الْأَشْقَى [الأعلى:9-11]
وأثنى سبحانه على الذاكرين الله والمتذكرين، فقال تعالى: وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ [الأحزاب:35] الآيةَ، وقال تعالى: ٱلَّذِينَ يَذكُرُونَ ٱللَّهَ قِيَٰمٗا وَقُعُودٗا وَعَلَىٰ جُنُوبِهِم[آل عمران:191] وقال تعالى: إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُوْلُواْ الأَلْبَابِ[الرعد:19] وقال تعالى في الكافرين: وَإِذَا ذُكِّرُواْ لَا يَذكُرُونَ[الصافات:13] وقال تعالى: فَمَا لَهُم عَنِ ٱلتَّذكِرَةِ مُعرِضِينَ[المدثر:49]

وللدعوة إلى الله والتذكير به وسائل، جماعها في قوله تعالى: ٱدعُ إِلَىٰ سَبِيلِ رَبِّكَ بِٱلحِكمَةِ وَٱلمَوعِظَةِ ٱلحَسَنَةِ وَجَٰدِلهُم بِٱلَّتِي هِيَ أَحسَنُ[النحل: 125] وأصلُ الحكمة وضعُ الأشياء في مواضعها. والدعوة بالحكمة، هي: الدعوة بالعلمِ. والموعظةُ الحسنة إنّما تكون بتبليغ أوامر الله ونواهيه، وتذكير العباد بما وعد الله به مَن أطاعه وتوعد به مَن عصاه: ترغيبًا وترهيبًا. والجدال بالتي هي أحسن إنّما يكون مع أصحاب الشُّبه والمعارضات للحق، فيُجادَلون بالحجج العقليّة، والبينات الشّرعية.
وبهذا يُعلم أنّ الدّعوة إلى الله إنّما تكون بتلاوة القرآن وتفسيره، وبتلاوة حديث رسول الله -صلّى الله عليه وسلّم- وبيان ما فيها من حِكَم وأحكام، ومِن بيان الحلال والحرام، والآداب والفضائل، التي يجمعها هدي النّبي -صلّى الله عليه وسلّم-، وخير الهدي هدي محمّد -صلّى الله عليه وسلّم-.  
وهذه الطرق في الدعوة هي ما وصف الله به نبيه في قوله تعالى: لَقَد مَنَّ ٱللَّهُ عَلَى ٱلمُؤمِنِينَ إِذ بَعَثَ فِيهِم رَسُولٗا مِّن أَنفُسِهِم يَتلُواْ عَلَيهِم ءَايَٰتِهِ وَيُزَكِّيهِم وَيُعَلِّمُهُمُ ٱلكِتَٰبَ وَٱلحِكمَةَ وَإِن كَانُوا مِن قَبلُ لَفِي ضَلَٰل مُّبِينٍ[آل عمران:164]
وقد أمر الله نبيه أن يُذَكِّر بالقرآن، فقال تعالى: فَذَكِّر بِٱلقُرءَانِ مَن يَخَافُ وَعِيدِ[ق:45] وقال تعالى: وَقُرءَانٗا فَرَقنَٰهُ لِتَقرَأَهُ عَلَى ٱلنَّاسِ عَلَىٰ مُكث[الإسراء:106]، وقال تعالى: وَٱتلُ مَا أُوحِيَ إِلَيكَ مِن كِتَابِ رَبِّكَ لَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَٰتِهِۦ[الكهف:27] وتلاوة الكتاب تتضمن تلاوة آيِاته -أي : قراءته- وتلاوته التي هي اتباعه بامتثال أوامره ونواهيه.

وسنة رسول الله -صلّى الله عليه وسلّم- هي المبيّنة والمفسّرة لكتاب الله، قال تعالى: بِٱلبَيِّنَٰتِ وَٱلزُّبُرِ وَأَنزَلنَآ إِلَيكَ ٱلذِّكرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيهِم [النحل: 44]؛ وقد امتن الله على نبيه بما أنزل عليه من الكتاب والحكمة -وهي السنة-، فقال تعالى: وَأَنزَلَ ٱللَّهُ عَلَيكَ ٱلكِتَٰبَ وَٱلحِكمَةَ وَعَلَّمَكَ مَا لَم تَكُن تَعلَمُ وَكَانَ فَضلُ ٱللَّهِ عَلَيكَ عَظِيمًا[النساء: 113]
وبهذا العلم يُخرج الله مَن شاء مِن الظلمات إلى النور، كما قال تعالى: كِتَٰبٌ أَنزَلنَٰهُ إِلَيكَ لِتُخرِجَ ٱلنَّاسَ مِنَ ٱلظُّلُمَٰتِ إِلَى ٱلنُّورِ بِإِذنِ رَبِّهِم إِلَىٰ صِرَٰطِ ٱلعَزِيزِ ٱلحَمِيدِ [إبراهيم:1] ولهذا سماه الله نورًا، فقال: فَ‍َٔامِنُواْ بِٱللَّهِ وَرَسُولِهِ وَٱلنُّورِ ٱلَّذِيٓ أَنزَلنَا[التغابن:8] وبهذا النور تستنير العقول، وتزكو النفوس، وتستقيم الأخلاق، وتصلح الأعمال، وتصلح الدنيا والآخرة.
 
وقد ذكر -سبحانه وتعالى- أنّ مِن آثار تلاوة القرآن على الناس: زيادة الإيمان، والخوف مِن الله، والبكاء مِن خشيته، فقال سبحانه: إِنَّمَا ٱلمُؤمِنُونَ ٱلَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ ٱللَّهُ وَجِلَت قُلُوبُهُم وَإِذَا تُلِيَت عَلَيهِم ءَايَٰتُهُۥ زَادَتهُم إِيمَٰنٗا وَعَلَىٰ رَبِّهِم يَتَوَكَّلُونَ[الأنفال:2]
وقال تعالى: إِذَا تُتلَىٰ عَلَيهِم ءَايَٰتُ ٱلرَّحمَٰنِ خَرُّواْۤ سُجَّدٗاۤ وَبُكِيّا[مريم:58] وقال تعالى:إِنَّ الَّذِينَ أُوتُواْ الْعِلْمَ مِن قَبْلِهِ إِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ يَخِرُّونَ لِلأَذْقَانِ سُجَّدًا*وَيَقُولُونَ سُبْحَانَ رَبِّنَا إِن كَانَ وَعْدُ رَبِّنَا لَمَفْعُولاً*وَيَخِرُّونَ لِلأَذْقَانِ يَبْكُونَ وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعًا[الإسراء:107-109] وقال تعالى: وَإِذَا سَمِعُواْ مَآ أُنزِلَ إِلَى ٱلرَّسُولِ تَرَىٰ أَعيُنَهُم تَفِيضُ مِنَ ٱلدَّمعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنَ ٱلحَقِّ[المائدة:83]
وذمّ الذين لا يبكون عند سماع القرآن؛ بل يضحكون وهم غافلون، قال تعالى: أَفَمِنْ هَذَا الْحَدِيثِ تَعجَبُونَ * وَتَضْحَكُونَ وَلَا تَبْكُونَ * وَأَنتُمْ سَامِدُونَ * فَاسْجُدُوا لِلَّهِ وَاعْبُدُوا[النجم:59-62]
وقد دلّت سنّة رسول الله -صلّى الله عليه وسلّم- على أنّ مجالس الذكر هي التي تكون عامرة بتلاوة كتاب الله وتدارسه، وذِكره سبحانه وتسبيحه وتحميده، وسؤاله الجنة والاستعاذة به من النار، وبيان ما يقرب إلى الجنة ويباعد عن النار؛ مِن العلم النافع والعمل الصالح، فروى مسلم في صحيحه عن أبي هريرة -رضي الله عنه- عن النّبي -صلّى الله عليه وسلّم- أنّه قال: (وما اجتمعَ قومٌ في بيتٍ مِن بيوتِ اللهِ، يتلونَ كتابَ الله ويتدارسونه بينهم، إلّا نزلتْ عليهم السّكينةُ، وغشيتهم الرّحمةُ، وحفتهم الملائكةُ، وذكرهم اللهُ فيمَن عنده)
وعنه -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله -صلّى الله عليه وسلّم-: (إنّ لله تباركَ وتعالى ملائكةً سيّارة فُضُلا يتتبعون مجالس الذّكر، فإذا وجدوا مجلسًا فيه ذِكرٌ قعدوا معهم، وحفّ بعضهم بعضًا بأجنحتهم حتى يملؤا ما بينهم وبين السّماء الدنيا، فإذا تفرقوا عرجوا وصعدوا إلى السّماء، قال: فيسألهم الله عزّ وجل -وهو أعلم بهم- مِن أين جئتم؟ فيقولون: جئنا مِن عند عبادٍ لك في الأرض يسبحونك، ويكبرونك، ويهللونك، ويحمدونك، ويسألونك، قال: وماذا يسألوني؟ قالوا: يسألونك جنتك، قال: وهل رأوا جنتي؟ قالوا: لا أي رب، قال: فكيف لو رأوا جنتي؟! قالوا: ويستجيرونك، قال: ومم يستجيرونني؟ قالوا: مِن نارك يا رب، قال: وهل رأوا ناري؟ قالوا: لا، قال: فكيف لو رأوا ناري؟! قالوا: ويستغفرونك، قال: فيقول: قد غفرت لهم؛ فأعطيتهم ما سألوا، وأجرتهم مما استجاروا، قال: فيقولون: ربّ فيهم فلان عبدٌ خطاءٌ إنّما مرَّ فجلس معهم، قال: فيقول: وله غفرت، هم القوم لا يشقى بهم جليسهم) متفق عليه.
 
وعلى هذا مضى السّلف الصّالح ومَن تبعهم بإحسانٍ تعلوا مجالسهم السّكينة والوقار، ويعمرونها بتدارس السنّة والقرآن، وما فيهما مِن ذِكر أسماء الله وصفاته، ووعده ووعيده، ومن بيان الحلال والحرام، والآداب والفضائل والأخلاق الكريمة، والحث على كلّ ما يحبه الله ويرضاه، والذم والتحذير مِن كلّ ما يسخطه الله ويبغضه مِن قبيح الأعمال والأقوال، وكانت مدارسهم المساجد التي أمر الله بتعظيمها، قال تعالى: فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَن تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ*رِجَالٌ لَّا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَن ذِكْرِ اللَّهِ[النور:36-37] الآيةَ؛ فلا يرفعون فيها الأصوات، ولا يكثرون فيها اللغط والضحك تعظيمًا لبيوت الله، ولمجالس الذكر والعلم والعبادة.
وقد تغيّرت الأحوال؛ فصارت مجالس العلم الشرعي أكثرها في المدارس والجامعات، ومجالس الوعظ والتذكير والدعوة كثيرًا ما تكون في غير المساجد، فافتقدت هيبة العلم وحُرمة المكان، وصار كثير مِن الطلاب والحضور لا يجدون حرجاً في التحدث بعضهم مع بعض، لا يمنعهم مِن الكلام إلا هيبة المعلم؛ بل آل الأمر ببعض الدعاة إلى انتهاج طريقةٍ في الدعوة والموعظة غيرِ لائقة، ويتأولون أنّها أنجع في جذب الشباب، واستمالة المقصرين والتأثير عليهم، وهذه الطريقة المبتدعة تتضمن أشياء عديدة تُفْقِد المجلس صفةَ الوقار والخشوع والذكر، فمما يفعله أصحاب الطريقة الجديدة في الدعوة -هداهم الله وجزاهم على قصدهم خيرًا- حسبما نقل لي بعضُ الثقات، وقد سمعتُ بعضه مسجلاً:
- حكاية أصوات المغنيين وكلامهم.
- تقليد أصوات النساء.
- ذكر كلمات ومصطلحات الفساق؛ كأصحاب المخدرات وغيرهم.
- تمثيل أفعال وأصوات مَن يَرِد له ذِكر في القصة.
- السعي إلى إضحاك الحضورِ بكلِ وسيلةٍ، حتى يعود المجلس إلى اللهو أقرب منه للذكر.
 
ومِن المؤسف أنّ انشغالهم بالهزل أوقعهم في التقصير فيما يروونه من الحديث، فتجدهم يروون الأحاديث الضعيفة، ويخطئون في ألفاظ الأحاديث الصّحيحة، ولا يبالون برواية بعض القصص الباطلة؛ وحين أذكر ما وقع فيه الإخوة مِن الخطأ في أسلوب الدعوة: أدعوهم إلى العودة إلى ما أرشد إليه القرآن، ودلّ عليه هدي الرّسول -صلّى الله عليه وسلّم- وهدي صحابته الكرام، والذين اتبعوهم بإحسان، ولا يتحقق ذلك إلا بتدبّر الكتاب والسّنّة، وتَعَلُّمِ ما فيهما مِن الهدى ودين الحق، وذلك هو النّور المبين، الذي يستضيء به السّائرون إلى الله، وخير مَن يُقتدى به بعدَ النّبي -صلّى الله عليه وسلّم-: صحابته، والتابعون، وأئمة الهدى. أسأل الله أن يسلك بنا سبيلهم، ويثبتنا على ذلك حتى نلقاه، وصلّى الله على نبيّنا محمد وآله وصحبه وسلّم. حرر في: 1431/12/26 هـ

أملاه:
عبدالرّحمن بن ناصر البرّاك