السؤال: قال شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله-  كما في كتابه "الاستغاثة في الرد على البكري"[1] ما هذا نصه: "فإنَّا بعد معرفة ما جاء به الرسولُ صلى الله عليه وسلم؛ نعلم بالضرورة أنه لم يَشرع لأمته أن يدعوا أحدًا من الأموات، لا الأنبياء ولا الصالحين ولا غيرهم، لا بلفظ الاستغاثةِ ولا بغيرِها، ولا بلفظ الاستعاذةِ ولا بغيرها، كما أنه لم يَشرع لأمته السجود لميتٍ، ولا إلى ميتٍ ونحو ذلك، بل نعلم أنَّه نَهى عن كلِّ هذه الأمور، وأنَّ ذلك من الشرك الذي حرَّمه اللهُ ورسولُه صلى الله عليه وسلم، لكن لغلبةِ الجهلِ وقلَّةِ العلمِ بآثار الرسالةِ في كثيرٍ من المتأخرين؛ لم يمكن تكفيرهم بذلك حتى يتبيّنَ لهم ما جاء به الرسولُ مما يُخالفه".

وسؤالي -رفع الله قدركم في الدنيا والآخرة-: هل يقصد شيخ الإسلام: لم يمكن تكفيرهم يعني تسميتهم مشركين أو يريد الحكم الأخروي؟ وإلحاق حكم المرتد عليهم؟

 

الجواب: الحمد لله، وصلى الله وسلم على محمد، أما بعد:

فهذا النصُّ من شيخ الإسلام هو أحد النصوص التي تدل على أنه -رحمه الله- يَعذُر بالجهل فيما هو شركٌ؛ لقوله: "لكن لغلبةِ الجهلِ وقلَّةِ العلمِ بآثار الرسالةِ في كثيرٍ من المتأخرين، لم يمكن تكفيرهم بذلك"، فقوله "لم يمكن تكفيرهم بذلك" أي: الحكم عليهم بالكفر والردَّة عن الإسلام بسبب هذه الأفعال  والأقوال؛ لجهلهم وقلة علمهم؛ لأن الأصل فيهم الإسلام، فلا يُخرجَون منه إلا بيقين، وما صدر عنهم من أقوال لا يعلمون أنها حرام في شريعة الإسلام،[2] ولا يمنع ذلك نعتَهم بالشرك؛ لأن ما فعلوه شركٌ؛ لكنهم يجهلون ذلك، وشرط المؤاخذة العلم، والجاهل ما يفعله من المحرمات هو مخطئ في ذلك، وقد قال تعالى في الدعاء الذي علَّمه الله للمؤمنين: رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا [البقرة: 286]، قال شيخ الإسلام في غير موضع: وهذا يعم الأعمال والأقوال، والأصول والفروع، وقد قال الله: (قد فعلت)،[3] وقد غفر الله لهذه الأمة الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه،[4] ومن ذلك قوله رحمه الله: "وإني أقرر أن الله قد غفر لهذه الأمة خطأها، وذلك يعم الخطأ في المسائل الخبرية القولية والمسائل العملية"،[5] وقوله: "هذا قول السلف وأئمة الفتوى... لا يُؤثِّمون مجتهدًا مخطئًا في المسائل الأصولية ولا في الفرعية[6]"[7].

فالحاصل أن قول شيخ الإسلام في كتاب "الرد على البكري"[8] "لم يمكن تكفيرهم" بيان لحكمهم في الدنيا، وحكمُ الآخرة تابع لحكم الدنيا؛ فمن مات كافرًا فهو من أهل النار، ومن مات مسلمًا فهو من أهل الجنة. والله أعلم، ولا أحب لكِ -أيتها الأخت- أن تنشري هذه الفتوى؛ لأن مسألة العذر بالجهل فيها اضطراب وجدل كثير. والله الموفق والهادي.

 

أملاه :

عبدالرَّحمن بن ناصر البرَّاك

حرر في 8 جمادى الأولى 1443هـ

 

[1] (ص411).

[2] مراد شيخنا -حفظه الله- بهذا القيد؛ أن عدم علمهم أنه حرام يلزم منه تكفيرهم إذا علموا أنه حرام وجهلوا أنه شرك، وقد حرَّر ذلك في فتوى له بعنوان "الحكم بالكفر لا يشترط أن يعلم مرتكبه أن فعله كفر"، وهي منشورة في الموقع الرسمي.

[3] أخرجه مسلم (126) عن ابن عباس رضي الله عنهما.

[4] أخرجه ابن ماجه (2045)، والطحاوي في شرح معاني الآثار (4649)، وصححه ابن حبان (7219)، والحاكم -ط الحرمين- (2860) من حديث ابن عباس رضي الله عنهما.

[5] مجموع الفتاوى (3/229).

[6] في مجموع الفتاوى: (الفروعية).

[7] مجموع الفتاوى (19/207).

[8] البكري: أبو الحسن نور الدين علي بن يعقوب بن جبريل البكري ينتهي نسبه إلى أبي بكر الصديق، ولد سنة (673هـ)، وقرأ على وزيرة بنت المنجا "مسند الشافعي"، وأوصى إليه ابن الرفعة بأن يكمل ما بقي من شرحه على «الوسيط» ولم يفعل، وله مصنفات منها: "البيان"، و"تفسير الفاتحة" وكان قبوريًا متعصبًا ورد عليه شيخ الإسلام في كتاب"الاستغاثة"، وتوفي سنة (724هـ).

 ينظر: أعيان العصر (3/580)، وطبقات الشافعية للإسنوي(1/138).