مَا هَكَذَا تَكُوْنُ الدَّعْوَةُ لِتَعْلِيْمِ الْفَتَاةِ 

بِقَلَمِ الأُسْتَاذِ 
عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ نَاصْرِ بْنِ برَّاك


 • نشرت صحيفة اليمامة بعددها الصَّادر رقم : 236 وتاريخ : 28/2/380 هـ كلمة حول تعليم البنات تحت عنوان  (لا تئدوا بناتنا في المهد) باسم الكاتب : محمد الفاتح، فقرأت هَذه الكلمة ووجدتها صريحة كما قال كاتبها، لكن في الباطل وتشويه الحقائق، ووجدتها هادفة، ولكن لا إلى الأخذ بما ينفع الفرد والجماعة في العاجل والآجل، والتَّمسُّك بالأخلاق الفاضلة الَّتِيْ دعا إليها الإسلام، بل كانت هادفة إلى نبذ تعاليم الإسلام، والتَّنكُّر لمبادئه السَّمحةِ، والتَّفسُّخ من الأحكام الَّتِيْ فرضها الله على المرأة صيانة لها وللرَّجُل من التَّدهور الخُلُقي وجعلها الله قيودا عن الرَّذيلة .
 •هَذِهِ حقيقة ذلك المقال، وإن حاول الكاتب تغطيتها تلبيسا وتضليلا، ولكنها محاولة فاشلة، فقد أسفر عن ذلك تناقضه الظَّاهر، ومع هَذَا لم يبالغ في تشويه الحقائق ويسلك لذلك سبلا حائدة عن القصد، وقد بلغت به القحة أن شنَّها حربا خاسرة على علماء البلاد، الذين هم روح الأمَّة وقادة الإصلاح فيها، والَّذِينَ إنما تسعدُ الأمَّةُ بالسَّير على آثارهم، والإصغاء إلى توجيهاتهم، أمَّا ترك احترامهم وعدم الالتفات إلى دعوتهم فمصدر شقائها، وسبيل هلاكها.
 فحطَّ الكاتب من كرامتهم، وسخر، واستعار لهم ألقاب المفسدين في الأرض، فسمَّاهم مزوِّرين، ورجعيِّين، واعتبر إنكارهم لتعليم المرأة التَّعليم الحديث الَّذي تضيع فيه الفضيلة، وتخرج به المرأة عمَّا خُلقت له فتتجاوز ما حدَّه الله لها، وتروم ما لا تستحق مِمَّا خصَّ الله به الرِّجال، اعتبر هَذَا النَّوع من التَّعليم وأدا للفتاة، ومسا لروحها، ولونا جديدا من ألوان الاستعمار، وهذه طريقة دعاة الباطل، يُنَفِّرون من الحَقِّ وأهله بما يُلبِسونهم إيَّاه من الألفاظ المنكرة البغيضة .
 •وأنكر الكاتب على دعاة الإصلاح دعوتهم إلى ما عُرف من دين الإسلام بالضَّرورة، وجُبلت عليه الفطرة المستقيمة، من الفرق العظيم بين الرَّجل والمرأة في الواجبات والحقوق، لأنَّ الله لم يسوِّ بينهما شرعا؛ حكمة منه وعدلا، فقد جعل الله المرأة على النِّصف من الرَّجل في خمسة أحكام : الإرث، والدِّية، والعقيقة، والشَّهادة، وثواب العتق، وهناك أحكام كثيرة أخرى فضَّل الله فيها الرِّجال على النِّساء .
 •
والكاتب يدَّعي خلاف الواقع وما جاء به الإسلام، فيرى في زعمه أن المرأة مثل الرَّجل تماما، لها ما له وعليها ما عليه، وأنَّها تضاهيه في العقل وأنواع القوى؛ [إن لم] تكن أكمل منه، ويكفي في بطلان هَذِهِ الدَّعوى تكذيب الواقع لها .
 وأيَّد الكاتب دعواه بما هو أوهى من الهباء، وهو نبوغ بعض النِّساء، وتفوُّقهِنَّ على كثير من الرِّجال، في عصر صدر الإسلام وبعده، ثم ذهب يمثِّل لأولائك بـ
خديجة وعائشة والخنساء من المؤمنات في العصر الأوَّل 
وبأخت نهرو، وأمينة السَّعيد، وهدى شعراوي من نساء هَذَا العصر الحديث 
والأخيرات لفظا ومعنى هُنَّ مقصوده، لأنَّه أشاد بذكرهنَّ، وبالغ في إطرائهنَّ، وادَّعى أنَّهنَّ أعلى شأنا وأرفع قدرا من بعض المصلحين الدِّينيِّين.
وإلاَّ فما الرَّابط بين بين خديجة وعائشة أمَّا المؤمنين، وغيرهما من النِّساء المؤمنات بالله، المحافظات على أوامره، وبين نساء بعيدات عن الإسلام وتعاليمه، وإن وُجِد الانتساب إليه عند البعض .
 وما أبعد هَذِهِ الطَّريقة في التَّدليل، والتَّمثيل على السَّداد، وهَذِهِ كالتَّسويةِ في التَّمثيل لعظماء الرِّجال بين من هو من أولياء الله المقرَّبين، وبين من هو من أرذل أعداء الله المُبعدين، دون اعتبار للإيمان الَّذي هو مناط العِزَّة والعظمة الحقيقيَّة، كأبي بكر من أئمة الدِّين المشهورين، وكنهرو من عظماء الكافرين ما لم يرجع إلى الهُدى، وفي المقال أكثر ممَّا أشرنا إليه، ولم أكن مبالغا فيما ذكرت، ونظرة إليه من ذي بصيرة منصف تكفي في الوقوف على الحقيقة، وبالجملة فكل المقال بعيد من الصَّواب، إلا ما كان لترويج البضاعة الَّتِيْ لا نَفَاقَ لها في ترويج الحقيقة الثَّابتة .
 •وليس للكاتب أي عذر في هَذَا لتَّهور المقيت، [إ]لا الجهل بالإسلام وشرائعه، [و]التَّقليد لأعدائه ومن قلَّدهم من المسلمين، ومن المؤسف أن تكون صحفنا - الَّتِيْ رسالتها الدَّعوة للخير، والتَّحذير من الشَّرِّ في الدِّين والدُّنيا – منبرا يرتقيه بعض هؤلاء الدُّعاة الذين غمرهم التَّقليد الأعمى .
 ومثل هَذَا الكاتب يجب أن يؤخذ على يده ويُبَصَّر بالحقِّ إن كان جاهلا، ويُلزم به إن كان متجاهلا، ويلجم بلجام من حديد عن التَّفوُّه بمثل هَذَا الزُّور، فضلا [أن] يفسح له المجال لنشر الأفكار المتسمِّمة
 •وليعلم كل أحد أن علماء تلك البلاد، وعلى رأسهم سماحة المفتى الأكبر، وجميع أهل الغيرة على الدِّين، لم يزالوا يعارضون في تعليم البنات التَّعليم الذي يأخذ مجرى تعليمهن في البلاد العربيَّة المجاورة، الذي هو أثر من آثار الاستعمار .
 •وحاشاهم أن يعارضوا في تعليم الأبناء والبنات العلوم النَّافعة في الدين والدُّنيا، ما لم يفض ذلك إلى شرور ومفاسد تربو على المنافع والفوائد، نعم كانوا ولا زالوا ينكرون هذه الطَّريقة الحديثة في لتعليم البنات ولا يأمنون عاقبتها، لأنها لم تنجح في البلاد المجاورة، كيف وكثير في بلادنا ممن قلَّ نصيبه من العلم النَّافع يريدون السَّير على آثارهم والجري وراءهم دون نظر إلى النَّافع والضَّار
 •وهذا الإنكار وهذه المعارضة من هؤلاء المصلحين من باب سدِّ الذَّرائع المفضية للشُّرور الذي ثبت اعتباره والأمر به في الإسلام .
 •أمَّا إشراف سماحة المفتي الأكبر ومن معه من علمائنا الأفاضل على ما قُرِّرَ تأسيسه من مدارس البنات في هذه المملكة، فلم يكن إلا خوفا ممَّا يمكن أن يحدث لو تُرك الأمر بلا إشراف ولا مراقبة .
 وإذ لا مبرِّر لهذه الاتهامات والكلمات السَّاخرة، الَّتِيْ توجِّهها صحيفة تحمل اسم جزء من وطننا إلى ذلك الجزء، بحجَّة معارضتهم في تلك المدارس، مع أنَّ واجب تلك الصَّحيفة أن تكون لسانا صادقا للتَّعبير عن الأخيار والمصلحين في تلك البلاد الَّتِيْ تنتسب إليها، لا عن حثالة هم ما بين جاهل مقلد، ومتعلِّم متمرِّد، وإلاَّ لم يعد انتسابها إلى ذلك الجزء من وطننا عليه فائدة، بل كان من غير معنى .
 •وختاما أسأل الله أن ينصر الحقَّ وحِزبه، ويكبت الباطل وأهله، وأن يهدي ضالَّ المسلمين، ويثبِّت مستقيمهم، إنَّه سميع الدُّعاء .
وصلَّى الله على محمَّد عبده ورسوله .