السؤال: أنا باحثة في مرحلة الدكتوراه في تخصص التفسير وعلوم القرآن؛ وكان عندي مبحث بعنوان درجات الناس في الخوف: ونقلت كلام ابن القيم -رحمه الله- في درجات الناس في الخوف وأنهم على ثلاث درجات:

-الأولى: الخوف من العقوبة؛ وهو الخوف الذي يصح به الإيمان، وهو خوف العامة، وهو يتولّد من تصديق الوعيد، وذكر الجناية، ومراقبة العاقبة.

٢- الثانية: خوف المكر في جريان الأنفاس المستغرقة في اليقظة، المشوبة بالحلاوة.

٣- الثالثة: درجة الخاصة: وليس في مقام أهل الخصوص وحشةُ الخوف إلا هيبةَ الجلال، وهي أقصى درجة يشار إليها في غاية الخوف.  

يعني أن وحشة الخوف إنما تكون مع الانقطاع والإساءة، وأهل الخصوص أهل وصولٍ إلى الله وقربٍ منه، فليس خوفهم خوف وحشة، كخوف المسيئين المنقطعين، لأن الله عز وجل معهم بصفة الإقبال عليهم، والمحبة لهم، وهذا بخلاف هيبة الجلال، فإنها متعلقة بذاته تعالى وصفاته، وكلَّما كان عبده به أعرف وإليه أقرب؛ كانت هيبته وإجلاله في قلبه أعظم، وهي أعلى من درجة خوف العامة. [هذا كلام ابن القيم] مدارج السالكين: (٣٧/٢).

ثمّ وجِّه لي نقد أن في هذا المقولة محذورا عقديًّا، ولا يصح النقل من مدارج السالكين؛ سؤالي -وفقكم ربي-:

١-هل كتاب مدارج السالكين من كتب أهل السنة التي يُرجع إليها؟

٢-هل التقسيم الذي ذكره ابن القيم رحمه الله يصح؟ أو عليه ملحظ من الناحية العقدية؟

أفيدوني مأجورين -جزاكم الله عنّي وعن الإسلام والمسلمين خيرًا-.

وفي تفسير ابن جزي -رحمه الله-(٢٩١/١) أن الخوف ثلاث درجات:

الأولى: أن يكون ضعيفًا يخطر على القلب ولا يؤثر في الباطن ولا في الظاهر؛ فوجود هذا كالعدم.

والثانية: أن يكون قويًّا فيوقظ العبد من الغفلة، ويحمله على الاستقامة.

والثالثة: أن يشتد حتى يبلغ إلى القنوط واليأس، وهذا لا يجوز.

وخير الأمور أوسطها؛ والناس في الخوف على ثلاث مقامات: فخوف العامة من الذنوب، وخوف الخاصة من الخاتمة، وخوف خاصة الخاصة من السابقة؛ فإن الخاتمة مبنية عليها. وكذلك أرجو الإفادة في نص ابن جزي.

وفقكم ربي وبارك فيكم؛ أرجوكم بشدة ألَّا تهملوا رسالتي وفقكم ربي.

 

الجواب: الحمد لله، وصلى الله وسلم على محمد، أما بعد:

فإن كتاب "مدارج السالكين" من مصنَّفات إمام من أئمة أهل السنة وعلَم من أعلامهم، وهو شرح لكتاب "منازل السائرين" لأحد شيوخ الصوفية القدماء، المتوسطين في التصوف، وهو أبو إسماعيل الهروي، والقيمة الكبرى لـ"مدارج السالكين" أن مؤلِّفَه قصد فيه شرح مقاصد "منازل السائرين"، وقد أبدع في شرح كلام الهروي؛ لأن ابن القيم خبيرٌ بالقوم، أي: بالصوفية، وزيَّن ابنُ القيم هذا الشرح باستدراكات وتعقبات كثيرة على صاحب "المنازل"، وأنكر كثيرًا من مصطلحات الصوفية، وتكلَّم فيهم بالعدل، كما قال تعالى: وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا[الأنعام:152]، فأحقَّ الحقَّ وأبطلَ الباطل من كلام صاحب "المنازل"، هذا ولصاحب "المنازل" عند ابن القيم منزلة عالية، حتى إنه يلقبه شيخ الإسلام، ولم يمنعه ذلك من بيان ما أخطأ فيه، حتى إنه قال: "شيخ الإسلام حبيبُنا، ولكن الحقَّ أحبُّ إلينا منه".[1] 

وبعد فما نقلتيه –أيتها الأخت– من درجات الخوف ليس كلامًا لابن القيم، بل هو كلام صاحب "المنازل"،[2] وبعد مراجعة شرح ابن القيم له لم نره اعترض عليه في هذا الموضع في موضوع الخوف،[3] فما ذكرتِ عن بعضهم من انتقادٍ إنما يتوجَّه إلى الهروي، وليتكِ ذكرتِ هذا الانتقاد؛ لنعرفَ وجهَه ووجاهتَه، أو خلافَ ذلك، ولم يظهر لي في كلام الهروي ما يُشكِل، وتقسيم الخوف إلى ثلاث درجات لا إشكال فيه؛ فإن المعاني تتنوع في ذاتها قوة وضعفًا، وتتنوع باعتبار متعلَّقها، ومن ذلك الخوف؛ فمنه الخوف الطبيعيُّ، ومنه الخوف الشرعيُّ الذي هو من مقامات الدين ومن خصال الإيمان، وهو يتنوع باعتبار ذاته قوةً وضعفًا، وباعتبار متعلَّقه؛ فمنه خوف العقاب، كما ذكر الهرويُّ في الدرجة الأولى، ومنه خوف الله إجلالًا وهيبة، كما ذكر الهرويُّ في الدرجة الثالثة، ومن هذا النوع خوف الملائكة ربَّهم، قال تعالى: يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ [النحل:50]، ومنه خوف الأنبياء في قوله تعالى: إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ [الأنبياء:90]، وقوله: إِنَّ الَّذِينَ هُمْ مِنْ خَشْيَةِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ [المؤمنون:57].  

   هذا ويحسن الرجوع إلى كلام ابن القيم في شرح كلام الهرويِّ، وأما كلام ابن جُزي فلنا تعليقٌ عليه بحاشية تفسيره الذي نُشر بتحقيق الدكتور علي بن حمد الصالحي، طبع دار طيبة الخضراء، الطبعة الثانية، فليرجع إليه.[4]

 

أملاه:

عبدالرحمن بن ناصر البراك

حرر في 26 شعبان 1443 هـ 

 

 

[1] مدارج السالكين -ط المجمع-(4/366).

[2] (ص26-27).

[3] ينظر مدارج السالكين -ط المجمع- (2/184).

[4] عند تفسير قوله تعالى {ادْعُوهُ خَوْفًا وَطَمَعًا} [الأعراف:56]، وهو أيضًا في "التعليقات على المسائل العقدية في كتاب التسهيل" لشيخنا -ط الثانية- (ص133 رقم 54).