بسمِ اللهِ الرّحمنِ الرّحيم
عزاء ومواساة
 
الحمدُ لله وحده، وصلّى الله وسلّم على مَن لا نبي بعده، أمّا بعد:
فيقول الله تعالى: مَا أَصَابَ مِن مُّصيبةٍ في الأرضِ ولاَ في أَنفُسِكم إلا في كتاب من قبلِ أن نَّبرأها إنَّ ذلكَ على اللهِ يسير*لِكيْلاَ تَأسَوا على ما فَاتَكُم ولا تَفرحوا بما آتاكم واللهُ لا يُحِبُّ كُلَّ مُختارٍ فَخُور[الحديد:22-23]
وقال تعالى: ما أَصابَ مِن مُّصيبةٍ إلا بإذنِ الله وَمَن يُّؤمن باللهِ يهدِ قلبهُ واللهُ بِكُلِّ شيءٍ عليم[التغابن:11]
وقال تعالى: ولَنبلُونَّكُم بشيءٍ من الخَوفِ والجُوعِ ونقصٍ من الأموالِ والأنفُسِ والثمراتِ وبشرِ الصابرين * الذينَ إذا أصابتهُم مُّصيبةٌ قالوا إنَّا للهِ وإنَّا إليهِ راجعون * أولئكَ عليهِم صلواتٌ من ربهِم ورحمةٌ وأولئكَ هُمُ المُهتدون[البقرة:155-157]
أسوق هذه الآيات تعزيةً وتسليةً ومواساة وتصبيرًا وبشارة لأهالي الطالبات المفقودات والمصابات في حادث حريق مدرسة "براعم الوطن" في جدة، وحادثي التصادم في حائل وجيزان (صبيا)، وأسوقها لأهالي مَن أصيب في هذه الحوادث مِن غير الطالبات من السائقين والمعلمات، وإنا نقول للجميع: أحسن الله عزاءكم، وجبر مصابكم، وغفر لموتاكم، وأخلف عليكم خيرًا مما فاتكم، وشفى مرضاكم وجرحاكم، وجعل صغار المفقودات فرطا لآبائهن وأمهاتهن، وشافعات لهم ومثقلات لميزانهم.
وقد دلت هذه الآيات على أمور:
1.  أنّ كلّ ما جرى ويجري في هذا العالم فهو أمر مقدور، وفي كتاب مسطور.
2.  أنّ لله تعالى في كلّ ذلك حكمًا بالغة؛ منها الابتلاء.
3. أنّ على مَن ابتلي بشيء مِن هذه المصائب أن يصبر ويحتسب إيمانًا بالله، وبأقداره، وحكمته، ورجاء لموعوده في قوله سبحانه:
وبشرِ الصابرين * الذينَ إذا أصابتهُم مُّصيبةٌ قالوا إنَّا للهِ وإنَّا إليهِ راجعون * أولئكَ عليهِم صلواتٌ من ربهِم ورحمةٌ وأولئكَ هُمُ المُهتدون [البقرة:155-157]
4. الإيمان بأنّ كلّ ما لدينا مِن مال وولد ملك لله؛ فله سبحانه ما أخذ، وله ما أعطى، وكلّ شيء عنده بأجل مسمى، إنّا لله وإنا إليه راجعون.
 
وينبغي أن يُعلم أن الخير للعبد ليس بالحياة دائمًا، بل قد يكون الموت خيرًا له، ولهذا جاء في الدعاء المأثور: (اللهمّ بعلمك الغيب، وقدرتك على الخلق، أحيني ما علمت الحياة خيرًا لي، وتوفني إذا كانت الوفاة خيرًا لي)
والحياة لا تكون خيرًا إلا مع حسن العمل، وقد يكون للعبد بالموت سلامة من الفتن، كما جاء في الدعاء المأثور: (وإذا أردت بعبادك فتنة فاقبضني إليك غير مفتون)
ومع هذا؛ يجب على العبد أن يتجنّب باب العطب والخطر، ويأخذ بأسباب السلامة، قال تعالى: ولا تُلقُوا بأيديكُم إلى التهلُكةِ[البقرة:195] وقال صلّى الله عليه وسلّم: (احرصْ على ما ينفعكَ، واستعنْ باللهِ، ولا تعجزْ، وإن أصابكَ شيءٌ فلا تقل: لو أني فعلت كان كذا وكذا. ولكن قلْ: قدّرَ اللهُ وما شاءَ فعل؛ فإنّ "لو" تفتح عمل الشّيطان)
 
وبهذه المناسبة نتوجه إلى وزارة التربية والتعليم أن تُعنى بالمدارس وتحرص على سلامة الطلاب والطالبات، وحفظ حياتهم بتعاهد المدارس، وتوفير وسائل السلامة فيها، مما يتعلق ببنائها أو تجهيزاتها، ومحاسبة مَن يقصر في واجبه، وإذا فعل الناس ما يجب عليهم في هذا الشأن فما يحدث بعد ذلك مما ليس لأحد فيه تعد ولا تفريط، مما هو خارج عن قدرة البشر فيجب التسليم فيه للقدر.
كما على وزارة النقل تعاهد الطرق بتوسيعها وصيانتها، وردم ما يحدث فيها مِن حفر تعرض السيارات ومَن فيها للخطر؛ إما بانقلاب أو انحراف يؤدي إلى تصادم، أو خلل يؤدي إلى فقد التوازن في السيارة، وإذا قام كلٌّ بمسؤوليته محتسبًا كان مثابًا، وإذا فرّط في واجبه كان آثمًا ومستحقًا للعقاب، فعلى الجميع أن يتقو الله ويراقبوه، ويؤدوا ما ائتمنوا عليه، قال تعالى: والذينَ هُم لأماناتِهم وعهدِهم راعون[المؤمنون:8]
 نسأل الله أن يحفظنا جميعًا وطلابنا وطالباتنا، والمعلمين والمعلمات، وأن يوفق ولاة أمرنا وكلَّ مَن ولّوه على أمر مِن أمور الرعية أن يوفّق الجميع لكلّ خير، إنّه تعالى وليُّ ذلك والقادر عليه، وصلّى الله وسلّم على نبيّنا محمّد. حرر في: 1-1-1433هـ

أملاه:
عبدالرّحمن بن ناصر البرّاك