السؤال: ما قول فضيلتكم فيمَن يقول مِن أهل السُّنَّة: إنَّ قوله -صلَّى الله عليه وسلّم-: (لا شخصَ أغيرُ مِن اللهِ) [1] ليس بصريح في إثبات "الشَّخص" لله عزَّ وجلَّ مِن جهة اللغة؛ لعدم إضافة "أفعل" التَّفضيل فيه إلى ما بعده، بل ذُكِرَ المفضَّل بعده مجرورًا بـ «مِن»، وهذا لا يدلّ على الجنس، كقولنا: لا شجرةَ أطولُ مِن زيد، ولا رجلَ أشجعُ مِن الأسد، ونحو ذلك؟ بيِّنوا لنا بيانًا شافيًا، أدام الله فضلكم.
الجواب: الحمدُ لله، وصلَّى الله وسلَّم على نبيّنا محمَّد، أمَّا بعد:
فقد ثبتَ في صحيح مسلمٍ مِن حديث المغيرة بن شعبة -رضي الله عنه- أنَّ النَّبيَّ -صلَّى الله عليه وسلَّم- قال: (لا شَخْصَ أغْيَرُ مِن اللهِ، ولا شَخْصَ أحَبُّ إليهِ العُذْرُ مِنَ اللهِ، مِنْ أجْلِ ذلكَ بَعَثَ اللهُ المرسلينَ، مُبشِّرينَ ومُنْذِرينَ، ولا شخْصَ أحبُّ إليهِ المِدْحةَ مِنَ اللهِ، مِن أجلِ ذلكَ وعدَ اللهُ الجنَّةَ) [2]، وترجمَ به البخاريُّ فقال: "بابُ قولِ النَّبيِّ -صلَّى الله عليه وسلَّم-: (لا شخصَ أغيرُ من الله) [3]، ثم ذكر الحديثَ بلفظ (لا أحدَ) [4]، بلفظ قريب مِن رواية مسلم.
وقد استدلَّ جمعٌ مِن أهلِ السُّنَّة بهذا الحديث على جواز إطلاق "الشَّخص" على الله[5]، ولفظ الحديث يدلُّ على ذلك؛ كما يدلُّ حديثُ أسماء في الصَّحيحين: (لا شيءَ أغيرُ مِن الله) [6] على أنَّ الله شيءٌ [7].
ومعنى "الشَّخص" في اللغة هو القائم بنفسه الظَّاهر [8]، وليس هذا مما يُمتنع على الله، بل مما يَصْدقُ على الله؛ لأنَّه ثابتٌ في حقِّهِ، والذين منعوا إطلاقه على الله مِن شُرِّاح الحديث إنَّما أُتوا مِن تفسيرهم "الشَّخصَ" بما يُمتنع إطلاقُه على الله عندهم، أو يُمتنع مطلقًا [9]، وإليك قول الرازيِّ [10] في لفظ "الشَّخص" في الحديثِ، قالَ في تأسيس التَّقديس [11]: "في هذا الخبر لفظان يجبُ تأويلهما؛ الأول: الشَّخص، والمراد منه الذَّاتُ المعيَّنة والحقيقةُ المخصوصة؛ لأنَّ الجسم الذي له شخصٌ وحجميَّةٌ يلزم أن يكون واحدًا؛ فإطلاقُ اسمِ الشَّخصيَّة على الوحدة إطلاقُ اسمِ أحد المتلازمَين على الآخر".
أقول: تضمَّن هذا الكلامُ أمورًا:
الأول: أنَّ الرَّازيَّ يذهبُ إلى نفي إطلاق "الشَّخص" على الله؛ لذلك يجبُ تأويله عنده.
الثاني: أنَّه فسَّر "الشَّخص" بما هو ممتنع -عنده- إطلاقه على الله. قال: "الشَّخص: الذَّات المعيَّنة والحقيقة المخصوصة"، وزعم أنَّ هذا شأنُ الجسم الذي له شخص وحجميَّة، ومِن المستقر عند الرَّازي في مذهبه ومذهب طائفته: أنَّ الله ليس بجسم، فظهر مِن ذلك أنَّ نفيه إطلاقَ "الشخص" على الله بالمعنى الذي ذكره مبنيٌّ على استلزامه للجسم، وما يستلزم الممتنِعَ فهو ممتنعٌ بداهة!
فيقال: إنَّ لفظ الجسم هو مِن الألفاظ المجملة التي تحتمل حقًّا وباطلًا، ولم يرد في الشَّرع ذكره في حقِّ الله إثباتًا ولا نفيًا [12]، وتفسير الرَّازي الشَّخصَ بأنَّه "الذات المعيَّنة والحقيقة المخصوصة" ليس مما يمتنع على الله، بل مما يجبُ إثباته؛ لأنَّ خلافه يقتضي أن يكونَ وجودُ الله وجودًا مطلقًا غير معيَّن، والوجودُ المطلقُ لا يوجد مطلقًا إلا في الذّهن؛ فكلُّ موجودٍ في الخارج فهو معيَّن، فعُلم أنَّ نفي "الشَّخص" عن الله بالمعنى الذي ذكره الرازيُّ يستلزم أنَّ الله ليس له حقيقة في الخارج.
ويُعلم ممَّا تقدَّم أيضًا: أنَّ الاسم المنفي بـ (لا) في الحديث جاء بثلاثة ألفاظ: أحد [13]، وشيء [14]، وشخص؛ ودلالتها على الله واحدة، فهو تعالى "أحدٌ" و"شيءٌ" و"شخصٌ"، فمن فرَّق بينها في الدَّلالة والصّيغةُ واحدةٌ فهو مفرِّقٌ بين المتماثلات، وقد نصّ بعضُ أئمة النَّحو كابن مالك [15] في "التَّسهيل" على أنَّ (أحدًا) يختصُّ بالعاقل 16]، ومَن تدبَّر ذلك وجده صحيحًا، وقد وردَ (أحدٌ) في القرآن في مواضع كثيرة [17]، وكلها مختصَّة بالعاقل، كذلك يظهرُ للمتأمّل أنَّ لفظ "الشَّخص" نظير "أحد" في اختصاصٍه بالعاقل.
وقد أفاض شيخُ الإسلام ابن تيميَّة في نقض ما قاله الرَّازي، وذكر الأحاديثَ الدَّالةَ على إثبات "الشَّخص" لله تعالى مما يُعلم منه ضرورة أنَّه -رحمه الله- ممن يُثبت إطلاقَ لفظ "الشَّخص" على الله، فليُرجع إلى كلامه في كتابه "بيان تلبيس الجهمية" [ج7 ص 391] [18]، وأثبتَ هذا الإطلاقَ أيضًا: تلميذُه ابنُ القيم في زاد المعاد [ج3 ص 595] [19].
وأمَّا مَن ذهبَ مِن شُرِّاح الحديث إلى منعِ إطلاقِ "الشَّخص" على الله مُحتجّين بأنَّ لفظ الحديث لا يدلّ على المطلوب مِن جهة اللغة، فما زعموه مِن عدم الدَّلالة إنَّما يتعلَّق بأفعل التَّفضيل المضاف، كما ذكروا، ولفظ الحديث متضمّنٌ لنفي الجنس بـ (لا)، وأفعل التَّفضيل فيه غير مضافٍ، بل المفضَّل عليه مجرور بـ"مِن" لا مضاف إليه، ونظيرُ لفظ الحديث أن تقول: لا رجلَ أكرمُ مِن زيد، ومعلومٌ أنَّ هذا يدلُّ على أنَّ زيدًا رجلٌ قطعًا [20].
أمَّا لو كانَ لفظ الحديث: "الله أغيرُ شخصٍ" فإنَّه يمكن -احتمالًا- ألا يدلَّ اللفظ على إطلاق الشَّخص على الله، قال القاضي أبو يعلى [21] في "إبطال التَّأويلات" [1/166] [22]: "وأمَّا لفظُ الشَّخصِ فرأيتُ بعضَ أصحابِ الحديث يذهبُ إلى جوازِ إطلاقه، ووجهُه أنَّ قوله: (لا شخصَ) نفيٌ مِن إثبات، وذلك يقتضي الجنس، كقولك: لا رجلَ أكرمُ مِن زيد، يقتضي أنَّ زيدًا يقع عليه اسم رجل، كذلك قوله: (لا شخصَ أغيرُ مِن الله) يقتضي أنَّه سبحانه يقع عليه هذا الاسم".
قال عبد الله بن الإمام أحمد [23] بعد ذكره لحديث (لا شخصَ أغيرُ مِن الله): "قال عبيد الله القواريري [24] -أحد رجال هذا الحديث عند الإمام أحمد-: "ليس حديثٌ أشدَّ على الجهميَّة مِن هذا الحديث". مسند الإمام أحمد 30/105 ط. مؤسسة الرسالة [25].
وبمناسبة قول القواريري -رحمه الله- ننبّه على أنَّ كلَّ الذين منعوا مِن إطلاق "الشَّخص" على الله مِن شُرِّاح الحديث هم مِن أهل الكلام النُّفاة؛ فالحامل لهم على نفي ما دلَّ عليه الحديث هو أصلُ مذهبِهم في صفات الله، فلا يُغتر بهم، عفا الله عنهم. ومِن أحسنهم كلامًا في هذا ابنُ الأثير [26] حيث قال في كتابه "النهاية" [2/451] [27] عند الحديث: "المراد بالشَّخص في حقّ الله تعالى إثبات الذَّات" اهـ. والله أعلم، وصلَّى الله وسلم على محمَّد.
عبدالرَّحمن بن ناصر البرَّاك
في السَّابع عشر مِن رجب 1439هـ
وزعم الخطابي – وتبعه ابن فورك والبيهقي وابن بطال وغيرهم- أن هذه اللفظة شخص غير صحيحة، وأنها مصحَّفة من الرواة، قال: "والدليل على ذلك: أن أبا عَوَانة قد روى هذا الخبر عن عبد الملك فلم يذكر هذا الحرف"!
ودعوى الخطابي مردودة بما رواه الثقات عن أبي عوانة وتتابعوا على رواية هذا اللفظ، فقد رواه عن أبي عوانة بهذا اللفظ: عبيد الله بن عمر القواريري وأبو كامل فضيل بن حسين الجحدري عند مسلم كما سبق، وتابعهما:
- محمد بن أبي بكر المقدمي: أخرجه عبد الله في السنة 1135 مقرونًا بعبيد الله بن عمر القواريري، به.
- ومحمد بن عبيد بن حِساب: أخرجه ابن أبي عاصم في السنة 522 مقرونًا بمحمد بن أبي بكر المقدمي، به.
- وأبو الوليد الطيالسي: أخرجه أحمد 18168، وعبد بن حميد 392، والحاكم 8061 وإسناده صحيح على شرط الشيخين.
- ويحيى الحماني: أخرجه الطبراني في الكبير 20/ رقم 921.
وتابع أبا عوانة في روايته عن عبد الملك بن عمير بهذا اللفظ: - زائدةُ بنُ قدامة: أخرجه ابن أبي شيبة 17708 – وعنه مسلم 1499- وابن أبي عاصم في السنة 523 من طريق حسين بن علي الجعفي، عن زائدة، عن عبد الملك، به.
- وعبيد الله بن عمرو الرقي: ذكره البخاري معلقًا بصيغة الجزم 9/123، ووصله الدارمي 2273 من طريق زكريا بن عدي، عن عبيد الله بن عمرو، عن عبد الملك بن عمير، به. وإسناده على شرط الشيخين.
- وإسرائيل بن يونس بن أبي إسحاق: أخرجه الحاكم 8060 من طريق أبي عبد الله الصفار، عن أحمد بن مهران، عن عبيد الله بن موسى، به.
وأما دعواه أن أبا عوانة لم يذكر هذا الحرف عن عبد الملك؛ فغلطٌ منه، فقد رواه أبو عوانة عن عبد الملك بهذا اللفظ عند مسلم وغيره، رواه عنه غير واحد من الثقات كما سبق، وتابعه على هذا الحرف عن عبد الملك: زائدة وعبيد الله بن عمرو الرقي! وقد توبع عبيد الله عليه، لا كما زعم ابن فورك – وتبعه ابن بطال- أنه انفرد به ولم يُتابع عليه!
والعجب من البيهقي – وهو الحافظ الناقد- كيف يساير الخطابي! وكان الحري به أن يرد على الخطابي دعواه أنها مصحفة، ويبين ثبوتها، ثم يشرحها ويبين مذهبه فيها! كما فعل من هو دونه؛ كالكرماني الذي قال: "لا حاجة إلى تخطئة الرواة والثقات، بل حكمه حكم سائر المتشابهات: فإما أن يفوض، وإما أن يؤول بلازمه"! والتشاغل برد الرِّواية الصحيحة والطعن في أئمة الحديث مع إمكان توجيه هذه اللفظة – على حد قول ابن حجر-؛ يقتضي قصور فهم من فعل ذلك ولوم من نسب إلى أهل الحديث، ثمّ من تصدى لشرح الحديث أشد من لوم من ليس منسوبًا إلى الحديث!
ولهذه اللفظة شاهد من حديث أبي رزين العقيلي: قلت: يا رسول الله، وكيف ونحن ملء الأرض وهو شخصٌ واحد، ينظر إلينا وننظر إليه؟.. الحديث. أخرجه عبد الله في زوائد المسند 26/121، وفي السنة 2/485، وأبو داود 3266، وابن أبي عاصم في السنة 524، وابن خزيمة في التوحيد 2/460، والحاكم 8683 وغيرهم. وصححه الحاكم، وقال ابن رجب في الفتح 4/322: "وقد ذكر أبو عبد الله بن منده إجماع أهل العلم على قبول هذا الحديث، ونقل عباس الدوري عن ابن معين أنه استحسنه". وقال ابن القيم في الزاد 3/591: "هذا حديث كبير جليل تنادي جلالته وفخامته وعظمته على أنه قد خرج من مشكاة النبوة، لا يعرف إلا من حديث عبد الرحمن بن المغيرة بن عبد الرحمن المدني، رواه عنه إبراهيم بن حمزة الزبيري، وهما من كبار علماء المدينة، ثقتان محتج بهما في الصحيح، احتج بهما إمام أهل الحديث محمد بن إسماعيل البخاري، ورواه أئمة أهل السنة في كتبهم، وتلقوه بالقبول وقابلوه بالتسليم والانقياد، ولم يطعن أحد منهم فيه، ولا في أحد من رواته". وينظر: الصحيحة 2810.