السؤال : ذكرَ بعضُ العلماء المعاصرين أنَّ البيعَ إلى أجلٍ مع زيادة السّعر مِن أنواع الرّبا، فهل ذلك صحيح؟

 

الجواب : الحمدُ لله وحده، وصلَّى الله وسلَّم على محمَّد، أمَّا بعد :

فقد أحلَّ الله البيعَ وحرَّم الرّبا؛ فالبيعُ بجميع أنواعه وصوره داخلٌ في حكم هذه الآية، أي: كلُّها حلالٌ إلَّا ما خصَّه الدَّليلُ؛ كبيوع الغرر، أو ما اشتملَ على نوع مِن أنواع الرّبا، وهذا أصلٌ متَّفق عليه بين العلماء، وحينئذٍ فالبيوعُ ثلاثة أنواع:

الأول: حلالٌ بالاتّفاق؛ كبيعِ العروض بالأثمان، أي: الذَّهب أو الفضة.

الثاني: حرامٌ بالاتّفاق؛ كبيوع الغَرر المنصوص عليها في السُّنة؛ كبيع حَبَل الحبَلة،[1] وبيع الحصاة،[2] وبيع المنابذة،[3] وبيوع الرّبا: ربا الفضل أو ربا النَّسيئة، المنصوص عليها في الأحاديث، وبيعِ الأعيان المحرَّمة؛ كالميتة والخنزير والدم والخمر.

الثالث: بيوعٌ مختلفٌ فيها للاختلاف في ثبوت أدلَّتها أو تأويلها؛ كبيعتين في بيعة؛ فإنَّ النَّاس اختلفوا في المراد به على ثلاثة مذاهب،[4] أصحُّها تفسيرُه بالعينة، ويدخلُ في هذا النَّوع كثيرٌ مِن صور ربا الفضل، للاختلاف في علَّته، والمعلِّلون لحكم ربا الفضل تباينت أقوالهم في ذلك، فتباينت أحكامُهم في كثير مِن صور البيع، ولم يسلم مِن ذلك الاختلاف بل الاضطراب إلا مَن خصَّ ربا الفضل في الستة المنصوصة في حديث عبادة،[5] وغيره.

ومِن البيوع التي دلَّت السُّنة على حلِّها نصًّا: بيع السَّلَم، وهو بيع موصوف في الذّمة مؤجَّل بثمنٍ مقدَّم مقبوض في مجلس العقد؛ لحديث ابن عباس -رضي الله عنهما- قالَ: قَدِمَ النَّبِيُّ -صلَّى الله عليه وسلَّم- الْمَدِينَةَ وَهُمْ يُسْلِفُونَ فِي الثِّمَارِ السَّنَةَ وَالسَّنَتَيْنِ، فَقَالَ ‏ «مَنْ أَسْلَفَ فِي تَمْرٍ فَلْيُسْلِفْ فِي كَيْلٍ مَعْلُومٍ وَوَزْنٍ مَعْلُومٍ إِلَى أَجَلٍ مَعْلُومٍ‏».[6]

ولم يشترط أحدٌ مِن العلماء أن يكونَ البيعُ بسعرِ المبيع يومَ العقد، ولا يومَ الوفاء، بل مقصود المسلِم أن يكونَ المبيع وقتَ الوفاء أرخصَ منه وقتَ العقد، فيستفيدُ بذلك، ويستفيدُ المسلَم إليه الانتفاع بالدَّراهم المقدَّمة في قضاء حوائجه، ويشبه السَّلَم: البيعُ إلى أجلٍ بزيادة في الثَّمن على الشّراء بثمن حالٍّ، وجمهورُ العلماء على جواز هذا البيع، والزّيادةِ في الثَّمن مِن أجل التَّأجيل، ولا فرقَ بين السَّلَم وهذا البيع إلَّا أن المستفيدَ مِن الزيادة في بيع السَّلم هو المشتري (المُسلم)، والمستفيدُ مِن الزيادة في البيع إلى أجلٍ هو البائع، وسببُ الزيادة فيهما هو التَّأجيل.

وهذان النَّوعان مِن أنواع البيوع مِن عماد التّجارة؛ فإنَّ مقصود المتعاوضَين في التجارة الرّبح، والرَّابحُ في العقدين هو مَن يأخذ الزيادة: المُسلِم في عقد السَّلَم، والبائعُ في عقد البيع إلى أجل؛ فإنَّ المسلمَ يأخذ بدراهمه عند الوفاء أكثر ممَّا يأخذه وقت العقد، والبائعُ في البيع إلى أجل يأخذُ بسلعته عند الوفاء أكثر ممَّا يأخذه وقت العقد، أي: لو باعها حالًّا.

وذهبَ بعضُ العلماء إلى تحريم البيع إلى أجلٍ بزيادة على ثمن البيع نقدًا، ولم يذكروا دليلًا على قولهم بالتَّحريم إلَّا أنَّه خلاف ما ينبغي أن يكون بين المسلمين مِن الإحسان بالقرض، وهذا التَّعليل منهم يرد على بيع السَّلَم، وهو حلالٌ بالإجماع؛ فلو أقرضَ المسلِم المسلَم إليه الثَّمن لكان أفضل، ولو باعَ صاحبُ السّلعةِ السّلعةَ بثمن حالٍّ لكان أفضل، لكن التجارة لا تقوم إلا على ما به ربح، كما تقدَّم.

والزيادةُ في البيع إلى أجلٍ ليست زيادة في دين ثابت في الذمة، فيكون مِن ربا الجاهلية، بل زيادة في ثمن السلعة عند التَّبايع، وليس في الكتاب والسُّنَّة دليلٌ على تحريم الزيادة في ثمن السلعة إذا بيعت نسيئة، ولهذا ذهبَ الأئمةُ الأربعة وأصحابُهم إلى القول بجواز هذا البيع. والله أعلم.

 

أملاه:

عبد الرحمن بن ناصر البراك

في 29 جمادى الأولى 1442هـ

 

 

[1]- أخرجه البخاري (2143)، ومسلم (1514) من حديث ابن عمر، أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- نهى عن بيع حبَلِ الحَبَلَةِ، وكان بيعًا يتبايعه أهل الجاهلية: كان الرجل يبتاع الجزور إلى أن تنتج الناقة، ثم تنتج التي في بطنها.

[2]- أخرجه مسلم (1513) من حديث أبي هريرة قال: نهى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن بيع الحصاة، وعن بيع الغرر.

[3]- أخرجه البخاري (2207) من حديث أنس قال: عن المحاقلة، والمخاضرة، والملامسة، والمنابذة، والمزابنة.

[4]- ينظر: المغني 4/176.

[5]- أخرجه مسلم (1587) عن عبادة بن الصامت - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «الذهب بالذهب، والفضة بالفضة، والبر بالبر، والشعير بالشعير، والتمر بالتمر، والملح بالملح، مثلا بمثل، سواء بسواء، يدا بيد، فإذا اختلفت هذه الأصناف فبيعوا كيف شئتم إذا كان يدا بيد»

[6]- أخرجه البخاري (2239- 2240)، ومسلم (2239).