السؤال: مِن عقيدتنا أنَّ القرآن كلامُ الله غير مخلوق، وفي القرآن: إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ [الحاقة:40، التكوير:19]، قال ابنُ تيمية: "الكلامُ يُنسبُ إلى مَن تكلَّمَ به ابتداءً، لا مَن تكلَّمَ به مبلغًا"،[1] لكن أشكلَ عليَّ ما ذكره الله في القرآن مِن كلام الأنبياء والصَّالحين، بل حتى الكافرين إذا قلنا: إنَّ الكلامَ يُنسَبُ إلى مَن تكلَّم به ابتداءً لا مبلغًا، فكيف الجواب عن هذا الإشكال؟ نفعَ الله بعلمكم، وجزاكم الله خيرًا.

 

الجواب: الحمدُ لله، وصلَّى الله وسلَّم على محمَّد، أما بعد :

فأقول: نعم؛ إنَّ القرآن كلّه كلامُ الله حقًّا؛ أخباره وأوامره ونواهيه، ما أخبر به تعالى عن نفسه، وما أخبر به عن بعض مخلوقاته من الملائكة والأنبياء والرسل وغيرهم، ومِن ذلك ما قصَّه تعالى عن الرسل مع أممهم، مِن المؤمنين بهم، أو المكذبين لهم، وقد دخلَ في هذه الأخبار ذِكرُ ما دارَ مِن جدالٍ وحوار بين الرُّسل وأعدائهم؛ إذن فمِن أخبار القرآن أخبارٌ بأفعال بعض العباد، وأخبارٌ بأقوالهم؛ فما أخبرَ الله به مِن أقوال العباد فإنَّه يضاف إلى قائله حقيقة؛ فيُقال: "قال نوح: كذا، وقال هود: كذا، وقال الكفار: كذا، وقال الشيطان: كذا".

وهذه الأقوال المحكيَّة في القرآن تضافُ إلى الله إضافة المخبر بها، والله تعالى يُخبر بها باللسان العربي الذي أنزل به هذا الكتاب وعلى وفق أسلوبه المعجز، وما في هذه الأقوال التي أخبر الله بها عن أصحابها مِن المعاني والدَّلالات وأساليب البلاغة هو ممَّا علِمه الله مِن إراداتهم مِن كلامهم، فأخبرَ الله به باللسان الذي نزلَ به القرآن، فهذه الأقوال لا تُنسبُ إلى الله إلا مقيَّدةً بإضافتها إلى مَن قالها مِن الخلق، فهي مِن كلام الله خبرًا وحكاية؛ فيُقال: قالَ الله عن الأبوين عليهما السَّلام: رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا[الأعراف:23]، وقال عن نوح عليه السَّلام: أَنِّي مَغْلُوبٌ فَانْتَصِرْ [القمر:10]، وقال عن زكريا عليه السَّلام: رَبِّ هَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً [آل عمران:38]، وقال عن إبليس: فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ [ص:82]، ونظائر ذلك كثير.

فهذه الأقوال المخبَرُ بها في القرآن هي مِن كلام الله خبرًا بها حقيقةً، فهي مِن كلام الله لفظُها ومعناها الخبريُّ، وهي كلام قائليها باعتبار معانيها التي عبَّروا عنها بلغاتهم، فإذا ذُكِر شيء مِن تلك الأقوال بصيغة الحكاية، وهي "قال ويقول"، صحَّت النسبة إلى الله؛ فنقول: قال الله تعالى: وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَنْ نُؤْمِنَ بِهَذَا الْقُرْآنِ، ومعلومٌ أنَّه لا يجوز شرعًا ولا عقلًا أن نقول: قالَ الله تعالى: لن نؤمن بهذا القرآن، إلا أن يضاف إلى الكفار، فنقول: قال الله عن الكفار قولهم: لن نؤمن.

وخلاصةُ القول: إنَّ هذه الأقوال المخبَر بها هي مِن كلام الله خبرًا، وهي مِن كلام قائليها حسب معانيها ومراداتهم فيها، ويوضِّح ذلك ما تقدَّم مِن اختلاف الصيغة في الإخبار عن هذه الأقوال الواردة في القرآن. والله أعلم.[2]

 

أملاه:

عبد الرحمن بن ناصر البراك

في 11 شوال 1442هـ

 


[1] - بنحوه في الواسطية- ط أضواء السلف- (ص90)، والتسعينية (2/550)، ومجموع الفتاوى (12/136-137).

[2] - ينظر: الفقه الأكبر (ص22)، والتسعينية (2/464-465)، وشرح الطحاوية لابن أبي العز (1/186-187)، وفتاوى اللجنة الدائمة  (4/6-7 رقم 3239).